التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩٣ - هل في آيات الحبط عموم؟
الآية- في بدء النظر- دالة على اختصاص توفية المثوبات بهم، و ان لاحظ للفئة الاولى فيما اكتسبوه من الحسنات. و الآية- بظاهرها- عامّة تشمل ما إذا كان من الفئة الاولى مؤمنون معتقدون باللّه و مصدقون برسالة نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)! قلنا: هذه الاستفادة من الآية خاطئة، لانها نزلت تعريضا بشأن المشركين كانوا إذا وقفوا بالموقف ذكروا آباءهم و نوهوا بأمجاد جاهلية تفاخرا على بعضهم و إذا سألوا اللّه شيئا لم يتجاوزوا مطاليب سافلة ابلا و غنما و رقيقا و ظفرا على أعداء و لا يسألونه الجنة و المغفرة و الرضوان، حيث فقد العقيدة بالبعث و النشور إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ[١]. و من ثمّ ذكر تعالى:
وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ.
و لا شك ان الذي لا خلاق له في الآخرة هو الكافر المحض- حسبما تقدم- وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً. أمّا الفئة الاخرى- و هم المؤمنون بيوم المعاد- فيسألون اللّه تعالى خير الدنيا و الآخرة و المغفرة و النجاة من النار، فهؤلاء لهم نصيب في الآخرة: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ، وَ أَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ[٢].
قال ابن عباس: كان قوم من الاعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث و عام خصب و عام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا. فأنزل اللّه فيهم فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا، وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. و يجيء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ. فأنزل اللّه فيهم أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ.
و عن مجاهد: كان أهل الجاهلية إذا اجتمعوا بالموسم ذكروا فعل آباءهم في
[١] المؤمنون: ٣٧.
[٢] آل عمران: ١٧١.