التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٨ - عموم آيات التوفية
مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً[١]. و العقل يرى- في بدء نظره- من الظلم ان تمحق سيئة واحدة لاحقة حسنات تقدمتها، و اللّه لا يظلم من حسنات العباد حتى مثقال ذرة منها، فكيف بالحسنات الجسام؟ بل و من فضله و لطفه بعباده ان يضاعف حسناتهم على الاطلاق، سواء أ كانت سابقة على السيئة أم لاحقة.
هذا ما يفيده اطلاق الآية و لا مقيد لها على ما سنذكر.
رابعا: منافاته لقانون التعادل بين الذنب و العقاب، و قد قال تعالى: وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ[٢]. و قال: وَ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها[٣]. و قال: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها[٤]. و قال: وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها[٥].
فإذا كان اللّه- و هو العدل الحكيم- يقول: جزاء سيئة سيئة مثلها، فما الموجب للقول بأن سيئة واحدة مهما كان قدرها تمحق حسنات جسما كانت سبقتها؟! و هل هذا إلّا ظلم و جور و حيف، و اضاعة صريحة لمثوبات اعمال صالحة كانت خالصة للّه وحده لا شريك له. تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.
عموم آيات التوفية:
ان مراجعة عابرة لآيات التوفية في القرآن- و هي كثيرة جدا- تجعلنا نطمئن بعموم الجزاء على الأعمال ان حسنة و ان سيئة، حسب الأثر المعروف: «الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرا فخير و إن شرا فشر». و لا مخصص لها فيما فحصنا فيما عدا خصوص الكفار أو من يرتد عن دينه فيموت كافرا. و قد تقدم بعضها، و اليك نماذج آخر:
[١] النساء: ٤٠.
[٢] الانعام: ١٦٠.
[٣] يونس: ٢٧.
[٤] غافر: ٤٠.
[٥] الشورى: ٤٠.