التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٩ - مسألة الحبط و التكفير
الاستحقاق بمعزل عن مرحلة الفعلية و الوقوع. لان معنى دوام الاستحقاق، هو جواز مذمّة العاصي في أيّ وقت من الأوقات، و لا يختص ذلك بالآن المباشر لظرف عصيانه. الأمر الذي لا يعني الاستدامة في مذمته ليل نهار على مرّ الدهور.
و هكذا العقاب، يستحقّه العاصي في أي وقت من الأوقات، فمتى ما أراد المولى عقابه صحّ ذلك منه. و هذا لا يعني جواز الادامة من عقابه على مرّ الزمان مع الأبدية. لان ذلك عقاب فوق استحقاقه و ظلم يتحاشاه عدله تعالى و حكمته المطلقة.
أمّا اختصاص تفضّله تعالى بالصغار القصّر فلم نعرف له وجها، و لا هم أقاموا على اثباته برهانا. فضلا عن مخالفته الصريحة لنص الكتاب و السنة المتواترة، فان فضله تعالى عظيم[١] و رحمته واسعة[٢] و قد وعد بغفران الذنوب جميعا[٣].
الثالثة: هل المغفرة خاصة بالتائبين أم هي عامّة؟
زعمت المعتزلة اختصاصها بمن يموت عن توبة و ندم و استغفار.
لكن في نصوص الكتاب و السنة صراحة في عمومها لمن مات عن ايمان فان كان تائبا فيموت مغفورا له كمن لا ذنب له، و غيره يموت مرجوا لأمره تعالى أمّا يعذبه على قدر استحقاقه ثمّ يغفر له، أو يتفضل عليه بالغفران من أوّل مرّة بلا تعذيب. و ان في كثير من العبادات الواجبة، و الاعمال الصالحة، لمطهرة للذنوب حتى الكبار، فضلا عن الصغائر، فانها مغفورة بذاتها على شرط اجتناب
[١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ- الانفال: ٢٩.
[٢] قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ- الاعراف: ١٥٦.
[٣] قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ- الزمر: ٥٣.