التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٢ - مسألة التمحيص و الاختبار
الاعتراض تعلو: لما ذا هذا الافتراق و التفاوت في العناية و الألطاف؟! إذن كان من الحكمة ان يعمّ امتحان شامل لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ[١]. ليتجلّى للناس ما هم عليه من تفاوت و اختلاف. لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ[٢].
١- قال تعالى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ[٣] أي حتّى يظهر للناس أنفسهم امتياز أحدهما عن الآخر.
٢- و قال: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَ تِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ (أي بالاقبال و الادبار) وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَ لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ الْكافِرِينَ. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ[٤].
قوله: «يعلم»- في المواضع الثلاثة- أي ليبدو للناس و يتجلّى علمه الأزلي بشأن مختلف الطبقات.
٣- وَ لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَ لِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ[٥] أي ليمتحنكم و يبدي ما في سرائركم، لا ليعلم هو، بل لتعلموا أنتم أيّها الناس. و من ثمّ ختمت الآية بقوله: وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. أي ليس هذا الابتلاء و التمحيص لأجل أن يعرفكم- بالتخفيف- بل ليعرّفكم- بالتشديد-.
٤- لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ، وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ[٦]. هذه الآية الكريمة تشير إشارة تامة الى الفائدة الاولى التي نبهنا
[١] الانفال: ٤٢.
[٢] النساء: ١٦٥.
[٣] آل عمران: ١٧٩.
[٤] آل عمران: ١٤٠- ١٤٢.
[٥] آل عمران: ١٥٤.
[٦] آل عمران: ١٨٦.