التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧ - هل يعلم التأويل إلا الله؟
(صلّى اللّه عليه و آله): «ويل لمن لاكها بين لحييه ثمّ لم يتدبّرها»
و قال تعالى:
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ[١] و لنفرض أنّ الامة- عند ما وقفت على آية متشابهة- راجعت علماءها في فهم تلك الآية، فأبدوا عجزهم عن معرفتها، فذهبوا و العلماء معهم إلى أحد الأئمّة خلفاء الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) فكان الجواب: اختصاص علمها باللّه تعالى، لكنهم لم يقتنعوا بهذا الجواب فهبوا جميعا إلى حضرة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) ضارعين سائلين: ما تفسير آية أنزلها اللّه إليك لنتدبرها؟ فإذا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا يفترق عن آحاد امته في الجهل بكتاب اللّه العزيز الحميد!.
أو ليست الامم تسخر من امّة عمّها و علماءها و أئمتها و نبيها (!) الجهل بكتابها الذي هو أساس دينها مع الخلود؟! اللّهمّ إن هذا إلّا زعم فاسد و حطّ من كرامة هذه الأمّة المفضّلة على سائر الأمم بنبيها العظيم و كتابها الكريم.
أو ليس النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) هو الذي أرجع أمّته إلى القرآن إذا ما التبست عليهم الامور كقطع الليل المظلم[٢] فبما ذا يرجعون إذا التبس عليهم القرآن ذاته؟! و أخيرا فإنّا لم نجد من علماء الأمّة- منذ العهد الأوّل فإلى الآن- من توقّف في تفسير آية قرآنية بحجّة أنّها من المتشابهات لا يعلم تأويلها إلّا اللّه. و هذه كتب التفسير القديمة و الحديثة طافحة بأقوال المفسرين في جميع آي القرآن بصورة عامّة، سوى أنّ أهل الظاهر يأخذون بظاهر المتشابه، أمّا أهل التمحيص و النظر فيتعمقون فيه و يستخرجون تأويله الصحيح، حسبما يوافقه العقل و النقل الصريح.
[١] سورة ص: ٢٩.
[٢] راجع: الكافي الشريف: ج ٢، ص ٥٩٩.