التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٨ - مسألة السعادة و الشقاء
عنايته تعالى الخاصة بخلص اولياءه الصالحين و مزيد ألطافه بشأنهم، لما علم منهم الصلاح و الثبات و الاستقامة، فأيدهم و وفقهم و جعلهم للمتقين إماما.
قال الشيخ أبو علي الطبرسي- رحمه اللّه-: «و المعنى: اني بلطفه تعالى و توفيقه كنت محسنا إلى والدتي، متواضعا في نفسي، حتى لم أكن من الجبابرة الأشقياء»[١].
و الدليل على صحة هذا المعنى هو سياق الآية و انسجامها مع آيات قبلها و بعدها، قال تعالى حكاية عن عيسى (عليه السلام): قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا. وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا. وَ بَرًّا بِوالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا. وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا[٢].
فمعنى «آتاني الكتاب و جعلني نبيا»: انه تعالى اختارني نبيا. و ليس اختياره تعالى أحدا لمقام رسالته إلّا إذا وجده صالحا لذلك، أمينا صادقا وفيا.
و ليس تحميلا في غير محل قابل و لا اعتباطا من غير حكمة و ملاك.
و هكذا «جعلني مباركا» أي زاد في عنايته تعالى بشأني، حيث النبيّ هو المعلم النفاع، فأينما يتوجه فان بشائر الخير و البركات تتقدمه.
و «أوصاني بالصلاة و الزكاة» أي أمرني بهما أمر تكليف.
و «برا بوالدتي» أي جعلني برا بها، و معنى جعلني برا، وفقني للقيام بخدمتها حيث وجدني راغبا في اداء شكرها الواجب، فحيث انه تعالى مهد له سبيل هذه المكرمة لما وجده محلا قابلا لها، نسبه إلى اللّه، حسبما مرّ في الحديث «انا أولى بحسناتك منك». راجع شرحنا لهذه الفقرة[٣].
و كذلك قوله: وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا أي لم يخذلني و لم يمنعني ألطافه الكريمة، كي انخرط مع الجبابرة الأشقياء، بل منحني عناياته و المزيد من توفيقه
[١] مجمع البيان: ج ٦ ص ٥١٣.
[٢] مريم: ٣٠- ٣٣.
[٣] صفحة: ١٨١.