التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٧ - مسألة السعادة و الشقاء
هو الشقاء المعنوي، و من ثم فسروه بالشقاء الاخروي. و الآية دليل على انه أثر الضلال عن هداه تعالى و الاعراض عن آياته البينة. و ليس أمرا مفروضا محتما على الأشقياء.
و جاءت كلمة «تشقى» قبل الآية برقم ١١٧ بمعنى الشقاء الظاهري «التعب و العناء»، و لكنها في هذه الآية (١٢٣) جاءت بمعنى الشقاء المعنوي «الخباثة» و هذا من التقابل- اثباتا و نفيا- في كلمة واحدة بين معنييها المختلفين اعتبارا، و هو من الفن البديع.
٤- وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا[١]. هو من الشقاء بمعني الخبث.
قال الامام الرازي: و هذا- أيضا- يدل على قولنا (يعني كون الشقاء و السعادة من فعله تعالى يضعهما حيث يشاء) لانه لما بين انه جعله برا و ما جعله جبارا، فهذا انما يحسن لو ان اللّه تعالى جعل غيره جبارا و غير بار بامه، فان اللّه تعالى لو فعل ذلك بكلّ أحد لم يكن لعيسى (عليه السلام) مزيد تخصيص بذلك، و معلوم انه (عليه السلام) انما ذكر ذلك في معرض التخصيص[٢].
و قال الامام مالك: ما أشد هذه الآية على أهل القدر (يعني المعتزلة و سائر أهل العدل المنكرين للجبر) أخبر عيسى (عليه السلام) بما قضى من أمره، و بما هو كائن إلى ان يموت»[٣].
هكذا زعم أهل الجبر من متفلسفة و حشوية ان العباد مضطرون فيما يزاولون لا رأي لهم و لا إرادة و لا اختيار. و انما هم مسيرون وفق ما فرض عليهم و قدر لهم في الأزل.
و أمّا أهل العدل و التنزيه فأجروا الآية الكريمة على سياق نظائرها من إرادة
[١] مريم: ٣٢.
[٢] التفسير الكبير: ج ٢١ ص ٢١٥.
[٣] تفسير القرطبي: ج ١١ ص ١٠٣.