التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٦ - مسألة السعادة و الشقاء
منهم، لعلمهم بان لا عذر لهم فيه، و لكنه اعتراف بقيام حجة اللّه عليهم في سوء صنيعهم».
و قال القاضي: «في الآية دلالة على انه لا عذر لهم إلّا الاعتراف (بالتقصير). فلو كان كفرهم من خلقه تعالى و بارادته، و علموا ذلك، لكانوا بأن يذكروا ذلك أجدر، و إلى العذر أقرب».
و قد رد عليهما الفخر الرازي- على مذهبه الأشعري الجبري- بان طلبهم للذات ان كان باختيارهم فذلك الاختيار محدث، و كل محدث مفتقر إلى علة خارجة عن ذاته، و ليست سوى إرادة اللّه القديمة. ثمّ أخذ في الاستدلال على احتياج المحدثات إلى علل و هي تتسلسل إلى ذاته المقدسة، حسب منهجه الخاص في ارجاع علل الموجودات حتى الأفعال الاختيارية إلى ارادته تعالى الازلية.
و قد أبطل أهل العدل هكذا استدلالات هي اشبه بسفاسف سوفسطائية، و ان أفعال العباد الاختيارية واقعة تحت اختيارهم بالذات، متى ما شاءوا فعلوا، و متى لم يشاءوا تركوا، حسبما اسلفنا في مسألة «الأمر بين الأمرين» و غيرها من مسائل مرتبطة.
و أمّا الذي قاله الفخر في تفسير الآية فهو: ان المناظرة مع اللّه تعالى غير جائزة بل لا يسأل عما يفعل، فلا جرم قال لهم: «اخسئوا فيها و لا تكلمون»[١].
قلت: و لعله في هذه المحاولة رجح الحجة مع العصاة، و جعل من مقام قدسه تعالى حكومة ظالمة غير مسئولة و لا متقيدة بنظام العقل و الحكمة. تعالى اللّه العدل الحكيم عن ذلك علوا كبيرا.
٣- فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَ لا يَشْقى[٢]. هذا
[١] انظر: التفسير الكبير: ج ٢٣ ص ١٢٤- ١٢٥.
[٢] طه: ١٢٣.