التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٥ - مسألة السعادة و الشقاء
و كانت الشقوة شقوة انفسهم أي شقوة لازمة لسوء اختيارهم و أثر سيئات أعمالهم حيث أضافوها إلى أنفسهم. قال: و يشهد لذلك وقوع الآية بعد قوله:
أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ. و تعقيبها بقوله: «ربنا أخرجنا ...
الخ».
قال: و انما اعترفوا بالذنب و التقصير ليتوصلوا بذلك إلى التخلص من العذاب، و للرجوع الى كسب السعادة، فقد كانوا عاينوا من قبل ان اعتراف العاصي بالذنب و الصغار كانت توبة له و مطهرة له من الذنب، فكانت تنجيه من العقاب.
قال: و هذا من قبيل ظهور الملكات، كانوا يكذبون من قبل مع ظهور الحق و معاينته بشهود، كذلك يكذبون ذلك اليوم تجاه رب العالمين. لاستقرار ملكة الكذب في نفوسهم يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ[١][٢].
و من ثمّ جاءهم الرد القاصف: قالَ اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ[٣]. و الدليل على انهم يكذبون ذلك اليوم بكل وقاحة و شراسة، قوله تعالى: ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا (كذبا و زورا) ضَلُّوا عَنَّا (أي نجهلهم و لا نعرف منهم شيئا ثم بدا لهم ان ينكروا عبادتهم للأصنام رأسا انكارا صريحا و من ثم قالوا) بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً[٤]. انظر إلى هذه الوقاحة تجاه ربّ العالمين الذي لا تخفى عليه خافية في السماوات و الأرض!!.
و قال الجبائي: «المراد ان طلبنا للّذات المحرمة و حرصنا على العمل القبيح ساقنا إلى هذه الشقاوة، فأطلق اسم المسبب على السبب. و ليس هذا باعتذار
[١] المجادلة: ١٨.
[٢] تفسير« الميزان» ج ١٥ ص ٧٤- ٧٥.
[٣] المؤمنون: ١٠٨.
[٤] غافر: ٧٣- ٧٤.