التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٤ - مسألة السعادة و الشقاء
موبّخا إياهم: أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ. فكأنهم حاولوا بذلك ابداء الاستعذار، أي بلى تليت آياتك غير ان شقاءنا النفسي المسيطر على وجودنا و مشاعرنا، غلبنا و لم يدعنا نجيب دعوتك فضللنا!!.
و ربما تمسكت الأشاعرة بهذه الآية- أيضا- دليلا على الجبر و عدم استطاعة العباد على الايمان و على الاستقامة على طريق الهدى، إلّا ان يكون حافز من خارج ذاتهم، حسبما كتبه رب العالمين من سعادة أو شقاء! و رووا عن مجاهد في قوله: «غلبت علينا شقوتنا» قال: التي كتبت علينا[١].
قال أهل العدل و التنزيه: هذا الذي رامه أهل الجبر تحريف بظاهر الآية و تأويل بمدلولها من غير ما سبب معقول. لأن ظاهر الآية الكريمة أنّ العصاة انما قالوا ذلك اعترافا منهم بعدم الحجة لهم و ان لا عذر لهم في الاعراض و التولي.
بدليل انهم اضافوا الشقوة إلى انفسهم «شقوتنا» الأمر الذي يدل على ان لهم في اكتسابها يدا، و انها كانت من صنيع أعمالهم السيئة التي ارتكبوها.
و لو كانت الشقوة مما سجلت عليهم في الازل الزاما و الجاء لكانت عذرا لهم البتة، و لكان لهم ان يقولوا: انهم من صنيعك يا ربنا و لا حجة لك علينا.
و الخلاصة ان الآية- حسب اقرار كبار المفسرين و علماء الأدب و البيان ظاهرة في الاعتراف باتمام الحجة عليهم و انهم بسوء اختيارهم فعلوا ما فعلوا و من ثمّ هم نادمون على ما فرط منهم، راجين منه تعالى ان يمن عليهم بالعودة لاصلاح ما افسدوه من قبل، و استدراك ما فات. رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ[٢].
قال سيدنا الطباطبائي- دام ظلّه-: هذا اعتراف منهم بتمام الحجة عليهم
[١] رواها محمد بن جرير الطبري بعدة أسانيد، انظر التفسير: ج ١٨ ص ٤٤.
[٢] المؤمنون: ١٠٧.