التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٢ - مسألة السعادة و الشقاء
المنزل و كتابته للمقادير. و لا تناقض و لا تعارض بينهما. و نحن لا نعلم الغيب، و لكن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) علمنا ما نعلم به ما سيكون في الجملة، و هو «ان الجزاء بالعمل» و ان كلّ انسان ميسر له و مسهل عليه ما خلقه اللّه لأجله من سعادة الجنة و شقاوة النار، و ان ما وهبه للانسان من العزم و الارادة يكون له من التأثير في تربية النفس ما يوجهها به إلى ما يعتقد ان فيه سعادته[١].
و هذا المعنى الذي تنبه له الشيخ عبده هو الذي نقله أصحاب الاعتزال عن الحسن و انكره الرازي الأشعري.
و هكذا تقدم في روايات أهل بيت العصمة (عليهم السلام)[٢] ما يتوافق و مذهب العدل، تفسيرا لما روي عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بهذا الشأن.
و لسيدنا الطباطبائي رد لطيف على تلفيقات الامام الرازي، على اصول فلسفية حكيمة، بيّن فيها اوجه المغالطة التي ارتكبها امام المشككين، فراجع[٣].
من ذلك قوله- أخيرا-: كان العمل حاصلا بقضاء اللّه ... الخ. إذ ليس هذا الكلام سوى تكرار لكلامه الأوّل و مصادرة على المطلوب، لانا قد بينا ان ليس معنى القضاء و القدر سوى علمه تعالى بمقادير الأشياء و امضاءه الوجود وفقها من غير ان يكون علمه تعالى علة في التأثير.
إذ لو لاحظنا من السعادة و الشقاء أمرين مفروضين على العباد، فان مسئوليتهما تقع على الذي فرض عليهم- و هو اللّه تعالى حسب مزعومة الأشعري- و هذا بعينه الجبر. أمّا إذا اعتبرتا انهما من عمل العباد أنفسهم، و انهم بالعمل يسعدون أو يشقون، فمعناه ان المسئولية ترجع اليهم بالذات لا إلى اللّه، كما عليه مذهب أهل العدل و التنزيه. إذن فارجاع الاعمال إلى اللّه حينئذ، ليكون اللّه هو المسئول عن أفعال العباد- كما يرومه القائل بالجبر- يكون ذلك عودا إلى
[١] تفسير المنار: ج ١٢ ص ١٥٩.
[٢] الصفحة: ٣٤٦- ٣٥٥.
[٣] تفسير« الميزان» ج ١١ ص ١٨.