التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦١ - مسألة السعادة و الشقاء
و قلت: يا رسول اللّه، فعلى ما ذا نعمل؟ على شيء قد فرغ منه، أم على شيء لم يفرغ منه؟ فقال: «على شيء قد فرغ منه يا عمر، و جفت به الأقلام، و جرت به الأقدار، و لكن كلّ ميسر لما خلق له»[١].
ثمّ قال: و قالت المعتزلة: «نقل عن الحسن أنّه قال: فمنهم شقي بعمله و سعيد بعمله».
و أجاب بأن الدليل القاطع (الذي اقامه- فيما زعم- على اثبات الجبر) لا يدفع بهذه الروايات! و قال- أخيرا-: و أيضا فلا نزاع أنّه انما شقى بعمله، و انما سعد بعمله، و لكن لما كان ذلك العمل حاصلا بقضاء اللّه و قدره، كان الدليل الذي ذكرناه باقيا[٢].
قلت: أمّا الرواية التي رووها عن ابن الخطاب فلا نعتمدها نحن بالذات أوّلا- لضعف الاسناد، لان في طريقها سليمان بن سفيان عن عبد اللّه بن دينار. و قد ضعفه أئمّة النقد و التمحيص[٣].
ثانيا- لمخالفتها لاصول العدل و الحكمة في ذاته تعالى المقدسة.
ثالثا- و على فرض تسليمها فلا بدّ من تفسيرها بما لا يتنافى مع مذهب العدل. قال الشيخ محمد عبده: و معناه- الذي غفل عنه أو جهله الكثيرون على ظهوره-: ان اللّه يعلم الغيب، و علمه بان زيدا يدخل الجنة أو النار، ليس معناه انه يدخلها بغير عمل يستحقها به بحسب وعده و حكمته، و لا أنّه لا فرق فيما يعمله في الجزاء. و انما يعلم اللّه المستقبل كله بجميع اجزائه و اطرافه، و منه عمل العاملين و ما يترتب على كلّ عمل من الجزاء بحسب وعده و وعيده في كتابه
[١] هذه الرواية رواها جميع ارباب التفسير و غيرهم من محدثي العامة. انظر: الطبري- التفسير-: ج ١٢ ص ٧٠.
[٢] التفسير الكبير: ج ١٨ ص ٦٠- ٦١.
[٣] انظر: المغني في الضعفاء للذهبي: ج ١ ص ٢٨٠ برقم ٢٥٩٠.