التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦ - هل يعلم التأويل إلا الله؟
هنا سؤال ذو جانبين، أحدهما عام: هل يستطيع أحد أن يقف على تأويل المتشابهات، بل و على تأويل آي القرآن كله؟. و الثاني خاص: ما ذا يستفاد من الآية- وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا-[١] بالذات، هل الواو للتشريك أو الاستئناف؟.
و للاجابة على الجانب الأوّل للسؤال نقول: لا شكّ أنّ القرآن كما هو مشتمل على آيات محكمات، مشتمل على آيات متشابهات. و لا محالة يقصده أهل الأهواء و الأطماع الفاسدة، سعيا وراء المتشابهات ابتغاء تأويلها و انحرافها إلى ما يلتئم و أهدافهم الباطلة، و قد جاء التصريح بذلك في نفس الآية: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
فلولا وجود علماء ربانيين في كلّ عصر و مصر ينفون عنه تأويل المبطلين- كما في الحديث الشريف
-[٢] لأصبح القرآن معرضا خصبا للشغب و الفساد في الدين.
فيجب- بقاعدة اللطف- وجود علماء عارفين بتأويل المتشابهات على وجهها الصحيح، ليقفوا سدا منيعا في وجه أهل الزيغ و الباطل، دفاعا عن الدين و عن تشويه آي الذكر الحكيم.
و أيضا- لو كانت الآي المتشابهة مما لا يعرف تأويلها إلّا اللّه، لأصبح قسط كبير من آي القرآن لا فائدة في تنزيلها سوى ترداد قراءتها، و
قد قال رسول اللّه
[١] آل عمران: ٧.
[٢] راجع: سفينة البحار: ج ١، ص ٥٥.