التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٨ - مسألة السعادة و الشقاء
من الحياة الدنيا الحالكة، المليئة بالأكدار و الأخطار.
أمّا السعادة و الشقاء بالمعنى الأوّل، فلم يقدّر لأحد أن يكون شقيا أي خبيثا لان اللّه تعالى لم يخلق أحدا للنار، و انما خلقهم ليكونوا مؤمنين مطيعين، و لينعموا برضوانه في جنة عدن محبورين. و انما يخبث من يخبث بسوء اختياره و انهماكه في شهوات دنيا و لذائذ وقتية سفلى، ثمّ تحيط به خطيئاته، و تحول دون نور عقله آثامه، فيعمى قلبه و يعشى بصره و يصم إذنه، و اخيرا يفقد شخصيته الانسانية الكريمة. و من ثمّ صحّ التعبير في شأنه: قد غلبت عليه شقوته، فأمسى من السافلين.
قال الامام أبو عبد اللّه الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا[١] قال: «بأعمالهم شقوا»[٢].
هذا الحديث الشريف يؤكد على ان الشقاء أمر مكتسب من قبل العبد نفسه، و ليس أمرا مفروضا عليه من قبل اللّه سبحانه. حيث عدله و حكمته تأبى فرض الشر على أحد اطلاقا.
و سأل ابن أبي عمير- المحدث العلامة العملاق- أبا الحسن الامام موسى بن جعفر (عليه السلام) عن تفسير قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «الشقي من شقى في بطن امّه، و السعيد من سعد في بطن امّه».
فقال الامام (عليه السلام): «الشقي من علم اللّه- و هو في بطن امّه- انه سيعمل اعمال الأشقياء.
و السعيد من علم اللّه- و هو في بطن امّه- انه سيعمل أعمال السعداء».
فسأله ثانية: فما معنى
قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له»[٣].
فقال الامام: «ان اللّه- عزّ و جلّ- خلق الجن و الانس ليعبدوه، و لم
[١] المؤمنون: ١٠٦.
[٢] كتاب التوحيد للصدوق: ص ٣٦٦. و البحار: ج ٥ ص ١٥٧ رقم ١٠.
[٣] هذا الحديث رواه أهل السنة بعدة اسانيد، منها ما رواه البخاري في جامعه باب قول اللّه تعالى:
وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ.
عن عمران قال: قلت: يا رسول اللّه، فيما يعمل العاملون؟ قال:« كل ميسر لما خلق له».
و هكذا رووا
عن علي( عليه السلام) قال:« اعملوا فكل ميسر».
( صحيح البخاري ج ٩ ص ١٩٥). و قد أخذت الأشاعرة- و هم جل أهل السنة- من هذه الأحاديث دليلا على مذهبهم في الجبر، حسبما يأتي. و من ثم فان الامام( عليه السلام) مع اقراره لاصل الحديث يخطؤهم في فهم معناه و ان له تفسيرا يتوافق مع عدله و حكمته تعالى على ما بيّنه الامام( عليه السلام).