التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٩ - مسألة القضاء و القدر
و كذلك الانتهاء من أمر الشيء فلم تعد لصاحبه حاجة فيه، كقوله تعالى:
فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها[١]. و منه قوله تعالى- أيضا-: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ[٢]. و قوله: فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ[٣] أي أ تممتموها كملا و فرغتم منها.
و يتلخص معنى «القضاء» في «نفاذ الأمر و الانتهاء منه حتميا».
أمّا القدر- بفتحتين- فهو بمعنى تقدير الشيء و التعرفة إلى كنهه و حدوده من زمان و مكان و سائر الجهات المحددة لوجود الشيء. و منه التعرف إلى هندسة الشيء و العلم بالظروف و الاجواء المؤاتية له، و شرائط وجوده كما و كيفا و جهة و غيرها. الأمر الذي يقتضي احاطة بخصوصيات الشيء و جهاته المكتنفة به، سواء أ كان عملا يريد ايجاده، أم كلاما يريد النطق به، أم حكما يريد انفاذه، أم تكليفا يريد تشريعه. فاذا عرف جهاته و ملابساته و موقعيته من زمان و مكان و سائر الاحوال، فقد قدّره تقديرا صالحا للنفاذ.
و منه قوله تعالى: وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ[٤]. و قوله: إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ[٥]. و قوله: وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى[٦]. أي قدر الاشياء تقديرا فهداها على قدر استعدادها و حظها من عالم الوجود.
و قوله تعالى: وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ[٧] أي جعلنا له منازل على قدر معلوم.
و كذا قوله: وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً[٨] أي جعله على نمط خاص و عيّن شرائطه و مبلغ استعداده من حظّ الوجود. و هو الذي نعبر عنه بالهندسة، أي هندسه هندسة كاملة.
و منه ليلة القدر التي يفرق فيها كلّ أمر حكيم، إذ فيها تقدّر الأشياء التي ستجري طول ذلك العام. وَ اللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ[٩] في تعاقبهما و طولهما
[١] الاحزاب: ٣٧.
[٢] البقرة: ٢٠٠.
[٣] النساء: ١٠٣.
[٤] فصلت: ١٠.
[٥] المدثر: ١٨.
[٦] الاعلى: ٣.
[٧] يس: ٣٩.
[٨] الفرقان: ٢.
[٩] المزمل: ٢٠.