التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٦ - مسألة القضاء و القدر
و لا التفصيلي حسبما فصلوه و بيّنوه دفعا لشبهة الجبر.
و فسّر بعضهم «القضاء» بعلمه تعالى بالأشياء، على ما ينبغي أن يكون عليه الوجود، حتى يكون على أحسن نظام و أبدع تشكيل. و هو المسمى عنده بالعناية الربانية، التي هي مبدأ فيوضاته القدسية، المفاضة على الموجودات من حيث جملتها على أحسن وجه و أكمل صورة. و «القدر» عبارة عن خروج تلك الأشياء إلى عالم «الوجود العيني» بأسبابها و عللها، وفق الوجه الذي قرّره القضاء القديم[١].
قال الفيلسوف الحكيم صدر الدين الشيرازي- بصدد تفصيل علمه تعالى بالأشياء في مراتبه الثلاث، و هي «العناية» و «القضاء» و «القدر»-: أمّا «العناية» فهي علمه تعالى بالأشياء في مرتبة ذاته المقدّسة، علما مقدسا عن شوب الامكان و التركيب فهي عبارة عن وجوده، بحيث ينكشف له الموجودات الواقعة في عالم الامكان على نظام أتم، مؤديا إلى وجودها في الخارج، مطابقا له أتمّ تأدية، لا على وجه القصد و الرؤية. و هو علم بسيط، واجب لذاته، قائم بذاته، خلاق للعلوم التفصيلية العقلية و النفسية، «على أنّها عنه، لا على أنّها فيه!»[٢].
و أمّا «القضاء» و يقال له: ام الكتاب، فهو عندهم عبارة عن وجود الصور العقلية لجميع الموجودات، فائضة عنه تعالى- على سبيل الابداع- دفعة بلا زمان. قال: و أمّا عندنا فعبارة عن صور علمية لازمة لذاته المقدسة، بلا جعل و لا تأثير و لا تأثّر، و هي صور قديمة بالذات باقية ببقاء اللّه.
و أمّا «القدر»- و هو: لوح المحو و الاثبات- فهو عبارة عن وجود صور
[١] بنقل العلامة المجلسي عن شرح المواقف. بحار الانوار: ج ٥ ص ١٢٨.
[٢] في هذه الجملة الاخيرة نكتة دقيقة. هي ردّ على مزعومة الأشعري فيما زعم ان علمه تعالى صفة قديمة قائمة بذاته حالة فيها و مقترنة بها، فلزمه القول بتعدد القدماء.