التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٥ - مسألة القضاء و القدر
لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ[١]. و من ثمّ كذّبهم اللّه في هذه العقيدة الفاسدة المخالفة لصريح الوجدان، قال تعالى- تعقيبا على قولتهم تلك-: كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ، وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ.
و الغريب أنّ الأشاعرة استسلمت قيادتها- بكلّ جرأة و صراحة- لهذه العقيدة المنافية للفطرة و لتعاليم الاسلام النزيهة! قال امامهم المتفلسف: «اعلم أنّ أفعال العباد امور ممكنة الوجود. و الممكن لا يترجح وجوده على عدمه إلّا بسبب». ثمّ أخذ في الاستدلال على وجوب كون هذا السبب ضروري الوجود، و إلّا لزم المحال (التسلسل الباطل). و بذلك حاول اثبات انتهاء أفعال العباد في علل وجوداتها و في سلسلة الحاجة، إلى ذاته المقدسة الواجب الوجود.
و أخيرا قال: «فثبت أنّ أفعال العباد، بقضاء اللّه تعالى و قدره، و أنّ الانسان مضطرّ في اختياره، و أنّه ليس في الوجود إلّا الجبر». هذا نص عبارته في باب القضاء و القدر من كتابه «المباحث المشرقية»[٢]. و أمّا «تفسير الكبير» فقد ملأه بأحكام قواعد الجبر على اصول مذهب أبي الحسن الأشعري و أتباعه الأشاعرة[٣].
أمّا الفلاسفة الاسلاميون الكبار فقد فسّروا مسألة «القضاء و القدر» بعلمه تعالى الأزلي بالأشياء قبل وقوعها. قالوا: القضاء هو علمه الاجمالي بالاشياء و بالامور الجارية عبر الوجود. و القدر هو علمه التفصيلي بذلك، أي علمه تعالى بتفاصيل ما سيقع من الذوات و الأفعال[٤].
قالوا: و لم يكن العلم القديم علة لحدوث الاشياء، لا الإجمالي منه
[١] الانعام: ١٤٨.
[٢] الفصل الخامس من المجلد الثاني: ص ٥١٦- ٥١٧.
[٣] و قد بالغ في ذلك حتى قال بشأن سورة الانعام: ان هذه السورة من اولها الى آخرها تدل على صحة قولنا و مذهبنا( في الجبر). التفسير الكبير: ج ١٣ ص ٢٢٧.
[٤] اللطائف الغيبية: ص ١٩٧- ١٩٨.