التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣ - حقيقة التأويل
و أمّا تأويل الرؤيا فمأخوذ من المعنى الثاني المتقدم. لأنّه معنى خفي باطن لا يعرفه سوى الذين اوتوا العلم. و قد استعمل في تعبير الرؤيا في القرآن في ثمانية مواضع من سورة يوسف: ٦ و ٢١ و ٣٦ و ٣٧ و ٤٤ و ٤٥ و ١٠٠ و ١٠١.
و استعمل بمعنى «مآل الأمر» في خمسة مواضع: سورة النساء: ٥٩، و سورة الاسراء: ٣٥، و سورة الأعراف: ٥٣ مكررة، و سورة يونس: ٣٩.
و بمعنى «توجيه المتشابه» في أربعة مواضع: سورة آل عمران: ٧ مكررة، و سورة الكهف: ٧٨ و ٨٢. أمّا استعماله بمعنى «البطن» فقد جاء في الآثار- حسبما تقدم- و قد أخذ منه تعبير الرؤيا كما نبهنا.
فهذه أربعة معان للتأويل استعملت في سبعة عشر موضعا من القرآن، و لم يكن واحد منها بمعنى العين الخارجية إطلاقا.
أمّا رأي سيدنا الطباطبائي فلا يعدو توجيها لطيفا للمزعومة المتقدمة، و تبدو عليه مسحة عرفانية غير مستندة، و من ثمّ فهي غريبة شذت عنه- دام ظلّه- و قبل أن نتكلم في وجه تفنيدها يجب أن نعرف أن ليس اللوح المحفوظ شيئا ذا وجود بذاته، كوعاء أو لوحة أو مكان خاص، ماديا أو معنويا، كلّا، و إنّما هو كناية عن علمه تعالى الأزليّ الذي لا يتغير و لا يتبدل و هو المعبر عنه بالكتاب المكنون و أم الكتاب أيضا، و غيرهما من تعابير لا تعني سوى علمه تعالى المكنون الذي لا يطلع عليه أحد إطلاقا.
و بعد فقوله تعالى: وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ[١] لا يعني أنّ للقرآن وجودا آخر في وعاء «أمّ الكتاب»، و إنّما جاءت هذه الاستفادة الخاطئة من توهّم المكان من قوله: «لدينا». بل المقصود: أنّ لهذا القرآن شأنا عظيما عند اللّه في سابق علمه الأزليّ، و التعبير بام الكتاب كان بمناسبة أنّ
[١] الزخرف: ٤.