التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢ - حقيقة التأويل
و قال: إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ[١]. فهذه الآيات تدلّ على أنّ القرآن النازل كان عند اللّه أمرا أعلى و أحكم من أن تناله العقول أو يعرضه التقطع و التفصيل، لكنه تعالى عناية بعباده جعله كتابا مقروء و ألبسه لباس العربية، لعلهم يعقلون ما لم يكن لهم سبيل إلى تعقّله و معرفته ما دام في امّ الكتاب قال تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ[٢] فالاحكام هو كونه عند اللّه لا ثلمة فيه و لا تفصيل، و التفصيل هو جعله فصلا فصلا و آية آية و تنزيله على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله[٣].
و لعل ما زعمه ابن تيمية ناجم عن خلط أمر المصداق بأمر التأويل، إذ لم يعهد إطلاق اسم «التأويل» على الوجود العيني، و إنّما يطلق عليه اسم «المصداق» حسب مصطلح الفن. فإنّ كل لفظة لها مفهوم هو ما يتصوره الذهن من دلالة ذلك اللفظ. و لها مصداق هو ما ينطبق عليه ذلك المفهوم خارجا، كالتفّاحة لها مفهوم هو وجودها التصوري الذهني، و لها مصداق هو وجودها العيني الخارجي، ذو الآثار و الخواص الطبيعية، و لم يعهد إطلاق اسم التأويل على هذا الوجود العيني للتفّاحة أصلا.
و منشأ الاشتباه أخذ التأويل من أصل اشتقاقه اللغوي بمعنى «مآل الأمر» أي ما يؤول إليه أمر الشيء كما في قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ، يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ[٤]. أي ينتظر هؤلاء لينظروا إلى ما يؤول أمر هذا الدين ... و يوشك أن يأتي اليوم الذي ينتظرونه، غير أنّ الفرصة قد فاتتهم و لات الساعة ساعة مندم.
[١] الزخرف: ٣- ٤.
[٢] هود: ١.
[٣] راجع: الميزان ج ٣، صفحات: ٢٥ و ٤٥ و ٤٩ و ٥٤ و ٥٥.
[٤] الاعراف: ٥٣.