التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١ - حقيقة التأويل
و قد تبيّن أنّ التأويل- بكلا الاصطلاحين- هو من قبيل المعنى و المفهوم الخافي عن ظاهر الكلام، و بحاجة إلى دلالة صريحة من خارج ذات اللفظ.
و قد شذ ابن تيميّة فيما زعم أنّ معرفة تأويل الشيء إنّما هو بمعرفة وجوده العيني قال: فإنّ للشيء وجودا في الأعيان و وجودا في الأذهان، و الكلام لفظ له معنى في القلب و يكتب بالخط، فإذا عرف الكلام و تصوّر معناه في القلب و عبّر عنه باللسان فهذا غير الحقيقة الموجودة في الخارج، مثال ذلك: أنّ أهل الكتاب يعلمون ما في كتبهم من صفة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و خبره و نعته، و هذا هو معرفة الكلام و معناه و تفسيره. و تأويل ذلك هو نفس محمّد صلّى اللّه عليه و آله المبعوث، فالمعرفة بعينه معرفة تأويل ذلك الكلام. و كذلك إذا عرف الانسان الحج و المشاعر و فهم معنى ذلك، و لا يعرف الأمكنة حتّى يشاهدها فتكون تأويل ما عرفه أوّلا[١].
و هكذا ذهب سيدنا العلّامة الطباطبائي- دام ظلّه- إلى أنّ التأويل ليس من مداليل الألفاظ، و إنّما هو عين خارجية، و هي الواقعية التي جاء الكلام اللفظي تعبيرا عنها. قال: الحق في تفسير التأويل أنّه الحقيقة الواقعية التي تستند إليها البيانات القرآنية، من تشريع و موعظة و حكمة، و أنّه موجود لجميع آي القرآن، و ليس من قبيل المفاهيم المدلول عليها بالألفاظ، بل هي من الامور العينية المتعالية من أن تحيط بها شبكات الألفاظ. و أنّ وراء ما نقرأه و نتعقّله من القرآن، أمرا هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد و المتمثل من المثال و ليس من سنخ الألفاظ و لا المعاني، و هو المعبّر عنه بالكتاب الحكيم، و هذا بعينه هو التأويل، و من ثمّ لا يمسّه إلّا المطهرون، قال تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ[٢]. و قال: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ[٣].
[١] في تفسير سورة التوحيد: بنقل رشيد رضا في تفسير المنار: ج ٣، ص ١٩٥.
[٢] الواقعة: ٧٩.
[٣] البروج: ٢٢.