التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٤ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
ابتدأت السورة بقوله تعالى: الم. أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ ثمّ قال- دفعا لتوهم اختصاص هذه الامة بذلك-: وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ و تعقيبا على ذلك بين وجه الحكمة: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ. و هذا اعلام بما سيصيب هذه الامة من بلاء و امتحان.
و بالفعل قد تحقّق ذلك مدة بقاءهم في مكة و بعد ما هاجروا إلى المدينة، على ما جاء في سورة براءة: أَ وَ لا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ[١].
٢٠٠- وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا[٢]. اختصاص بهدايته التي هي عناية و مزيد ألطاف يخص بها عباده المخلصين. أمّا هدايته التي هي دلالة و ارشاد إلى معالم الحق و الطريقة الوسطى فهي عامة شاملة لجميع المكلّفين على ما سبق تحقيقه غير مرة[٣].
٢٠١- كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ[٤]. تقدم أنّه اخبار عن واقعية سوداء هم اكتسبوها بمرودهم على الطغيان و الاستكبار عن قبول الحق. و جاء التعبير استعارة و مجازا عن تلك الحالة القاسية التي انطوت عليها قلوبهم الجافة. و قد صرّح بهذا التشبيه في قوله تعالى: وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً، كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها، كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً[٥]. في حين أنّه تعالى ذكر في كثير من الآيات: أنهم لا يسمعون، و في آذانهم وقر. فعلمنا أنّ جميع ذلك من المجاز في التعبير، و سنبحث عن معنى الطبع و الختم و الوقر و ما شاكل في فصل قادم ان شاء اللّه. كما تقدّم وجه نسبة ذلك إلى اللّه[٦].
٢٠٢- وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها[٧]. أي هداية تكوينية بالالجاء
[١] البراءة: ١٢٦.
[٢] العنكبوت: ٦٩.
[٣] راجع- بالخصوص-: مسألة الهداية و التوفيق في مراحلها الخمس ص ٢٠٠ فما بعد.
[٤] الروم: ٥٩.
[٥] لقمان: ٧.
[٦] راجع الصفحة ٢١٤.
[٧] السجدة: ١٣.