التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٦ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
و قد تعلّقت الأشاعرة بأمثال هذه الآيات تدليلا على أنّه تعالى هو الفاعل لأفعال العباد إذ لا يقع فعل إلّا إذا أراده اللّه! و اجاب المعتزلة بانه تعالى- وفق هذه الآيات- يفعل ما يريد هو، و لا دلالة فيها على أنّه يفعل ما يريد غيره! قلنا: إنّه تعالى بالنسبة إلى أفعال نفسه هو الفاعل لها بلا كلام. و أمّا بالنسبة إلى أفعال غيره، فانه تعالى يأذن لها و يوجدها بإرادته الحادثة أثر إرادة العباد، وفق سنّته التي جرت في الخلق، فهي أيضا من فعله تعالى لكن بهذا المعنى التبعي، الأمر الذي يصحح نسبتها إلى فاعليها و إلى اللّه جميعا، حسبما تقدّم (ص ١٧٧) تحقيقه.
١٧٤- وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً[١]. أي بيّنّا كيفية تعبدهم. و لا دلالة لها على أنّه تعالى هو خالق العبادة. و هذا نظير قوله- فيما بعد-: وَ الْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ[٢] أي نحن فرضناها و بيناها لكم.
و من ثمّ فإنّ الآية بنفس التعبير جاءت في موضع آخر مع زيادة هي ضاربة على ايدي المتطاولين لتحريف الكلم: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ[٣].
١٧٥- وَ لَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ[٤]. لا يدلّ على أنّه بالمباشرة و الالجاء. و انما هو بتمهيد مقدّماته من تشريع و ترغيب و أخيرا توفيق و تسديد لمن يريد اللّه غلبه، و خذلان المغلوب و حرمانه عن ألطافه الكريمة.
و هكذا انتصر المؤمنون على الكافرين بفضله تعالى و منّه.
١٧٦- رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ[٥]. ابتهال إلى اللّه أن يمنّ عليه بألطافه الخاصّة و يسدّد خطاه إلى الصواب أبدا. و هذا طلب توفيق لا الجاء فيه البتة.
[١] الحج: ٣٤.
[٢] الحج: ٣٦.
[٣] الحج: ٦٧.
[٤] الحج: ٤٠.
[٥] المؤمنون: ٩٤.