التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٣ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
و هذه الآية الكريمة كناية عن كمال عزّته تعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ و يَحْكُمُ ما يُرِيدُ[١]. لكنها عزة مشفوعة بالحكمة و العدل، و من ثمّ فهو تعالى عزيز حكيم. عزيز لا يغلب على أمره و لا يعجز عن تنفيذ ارادته. حكيم لا يفعل إلّا الصواب و لا يحكم إلّا بالحق و لا يهدي إلّا إلى سواء الطريق.
قال أهل العدل: لمّا كان تعالى عالما بقبح القبائح، و كان غنيا عن فعل القبيح اطلاقا، استحال أن يقع منه قبيح. فقد عرفنا- إجمالا- بأنّ كلّ ما يفعله تعالى حكمة و صواب. و بعد هذا العلم لا موضع للسؤال الكاشف عن جهل في نفس السائل. اللهم إلّا عن تفاصيل يريد أن يعرفها في ذات المسئول عنه.
و قال المفسّرون: السؤال عن الفعل هو قولنا لفاعله: «لم فعلت كذا؟».
و هو سؤال عن جهة المصلحة في الفعل إذا كانت مجهولة للسائل. أمّا الفعل المعلوم مقارنته مع المصلحة، فلا مؤاخذة عليه عند العقلاء. و اللّه تعالى لمّا كان حكيما على الاطلاق- كما وصف به نفسه في مواضع من كلامه- و الحكيم هو الذي لا يفعل فعلا إلّا لمصلحة مرجحة، لم يكن موضع للسؤال عن فعله، و هذا على خلاف غير الحكيم، الذي يحتمل بشأنه العبث و الصواب و الصلاح و الفساد، فجاز في حقه أن يسأل عما يفعله ليؤاخذ على عمله ان ذما أو عقابا اذا لم يكن مقرونا بمصلحة.
و روى الصدوق في كتاب «التوحيد» عن الامام محمد بن علي الباقر (عليه السلام) «سئل: كيف لا يسأل عمّا يفعل؟ فقال لأنّه لا يفعل إلّا ما كان حكمة و صوابا»[٢].
قال الزمخشري: اذا كانت عادة الملوك الجبابرة أن لا يسأل عن أفعالهم تهيبا لجانبهم و إجلالا لعزّتهم، مع جواز الخطأ و الزلل عليهم، كان ملك الملوك
[١] الجملة الاولى مقتبسة من قوله تعالى: كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ- آل عمران: ٤٠ و الثانية من قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ- المائدة: ١.
[٢] تفسير الصافي للحكيم الفيض: ج ٢ ص ٨٨.