التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٧ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
هو بفعل اللّه، و لولاه لم يكد يثبت كما كان لم يؤمن.
قلنا: ثلاث آيات (٧٣ و ٧٤ و ٧٥) نزلن بشأن مشركي قريش، عرضوا على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) مسالمته مع آلهتهم فلا يذكرهم بسوء، فيتوافقوا معه و لا ينابذوه في دعوته. فنزلت الآيات ردعا لاذعا لمثل هذا الاقتراح المنافق، و تيئيسا قاطعا لأمل المشركين، فلا يطمعوا في رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو داعية التوحيد الخالص، و نبذ الشرك و عبادة الأصنام قطعا في جذورها.
فلا يجامل فيما يناقض دعوته إلى اللّه وحده لا شريك له[١].
ذكر الشيخ أبو علي الطبرسي وجوها في سبب نزول الآيات، منها: ان قريشا أتوا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فقالوا له: كفّ عن شتم آلهتنا و تسفيه أحلامنا[٢] و اطرد هؤلاء العبيد و السقّاط[٣] الذين رائحتهم رائحة الصنان[٤] حتى نجالسك و نسمع منك فطمع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في اسلامهم ان وافقهم على بعض ما يقولون. فنزلت الآيات ردعا له (صلّى اللّه عليه و آله) فلا ينبغي لنبي ان يجامل في دينه أو يداهن أحدا في مقترحة المخالف لاصول التعليم الديني الحنيف[٥].
و هذا التشديد في لحن الآيات يستهدف قطع أمل المشركين في أي مساومة مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قطعا صارما. كما هو تهديد صريح بمن يهم مجاملة مع اعداء الدين أيا كان و أيا كانوا، من باب «إياك أعني و اسمعي يا جارة»
[١] راجع: الجزء الأول من كتابنا ص ١٩٠.
[٢] الاحلام: جمع الحلم- بكسر الحاء- و هو العقل.
[٣] السقاط: جمع الساقط- كطلاب و طالب- بمعنى المبتذل الفاقد للشخصية الاجتماعية.
[٤] الصنان- كغراب- ذفر الابط، و النتن عموما.
[٥] مجمع البيان: ج ٦ ص ٤٣١. و انما اخترنا هذا الوجه- و هو ثاني وجوه خمسة ذكرها الطبرسي- لقوته و موافقته مع ظاهر القرآن، و التئامه مع موقف النبيّ( صلّى اللّه عليه و آله) المعصوم من الخطأ و الزلل لا في عقيدته و لا في سلوكه اطلاقا.