التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٢ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
امره بما يأمر به لا يحسّن ارادته للعقاب المستحق بما تقدم من الأفعال. و ان كانت الارادة متعلقة بالاهلاك المستحق بمخالفة الأمر المذكور في الآية، فهذا الذي تأبونه، لانه يقتضي أنه تعالى مريد لا هلاك من لم يستحقّ العقاب! و الجواب عن ذلك: أنّه تعالى لم يعلّق الارادة الّا باهلاك المستحق بما تقدم من الذنوب، و الذي حسن قوله تعالى: و إذا أردنا أمرنا ... هو ان في تكرار الأمر بالطاعة و الايمان اعذارا إلى العصاة، و انذارا لهم، و ايجابا و اثباتا للحجة عليهم حتى يكونوا متى خالفوا و اقاموا على العصيان و الطغيان بعد تكرار الوعيد و الوعظ و الانذار، ممن يحقّ عليه القول، و تجب عليه الحجة.
و يشهد بصحة هذا التأويل قوله تعالى- قبل هذه الآية-: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا.
و الوجه الثاني: أن يكون قوله تعالى: أَمَرْنا مُتْرَفِيها من صفة القرية و صلتها، و لا يكون جوابا لقوله تعالى: وَ إِذا أَرَدْنا و يكون تقدير الكلام: و إذا أردنا ان نهلك قرية من صفتها أنا أمرنا مترفيها ففسقوا فيها. و تكون «إذا» على هذا الجواب لم يأت لها جواب ظاهر في الآية، للاستغناء عنه بما في الكلام من الدلالة عليه. و نظير هذا قوله تعالى في صفة الجنة: حَتَّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ. وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ[١]. و لم يأت لإذا جواب في طول الكلام، للاستغناء عنه[٢].
و يشهد بصحة هذا الجواب قول الهذلي:
|
حتى اذا اسلكوهم في قتائدة |
شلا كما تطرد الجمالة الشردا[٣] |
|
[١] الزمر: ٧٣- ٧٤.
[٢] في حاشية الامالي:« كان التقدير: اذا جاؤها حضروها و فتحت. او هموا بدخولها. و ما اشبه ذلك، و اللّه العالم».
[٣] هو لعبد مناف بن ربع الهذلي في آخر قصيدة أولها: ما ذا يغير ابنتي ربع عويلهما لا ترقدان و لا بؤسي لمن رقدا
قتائدة: موضع. و الجمالة: أصحاب الجمال، كالبغالة و الحمارة. و انتصاب« شلا» على المصدر. و دلّ على فعل مضمر يحصل بظهوره جواب« حتى اذا سلكوهم» المنتظر. و تلخيصه: حتى اذا سلكوا بهم الى هذا الموضع شلوهم شلا مثل مطاردة الجمال اذا تزاحمت على الماء. انظر: ادب الكاتب ص ٤٢٤.