التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨١ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
و قال الجبائي: ليس المراد من الآية أنه تعالى يريد اهلاكهم قبل أن يعصوا و يستحقّوا، و ذلك لانه ظلم و هو على اللّه محال. بل المراد من «الارادة» قرب تلك الحالة، فكأنّ التقدير: و إذا قرب وقت اهلاك قرية، أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، و هو كقول القائل: إذا أراد المريض ان يموت ازداد مرضه شدة، و إذا أراد التاجر أن يفتقر أتاه الخسران من كلّ جهة، و ليس المراد: أن المريض يريد أن يموت، و التاجر يريد أن يفتقر، و انما يعنون أنه سيصير كذلك، فكذا هاهنا.
و هذا الوجه الذي ذكره الجبائي هو الذي اخترناه، و من ثمّ فان مراجعة اختيارنا تذهب بمواقع الابهام من هذا الكلام.
و لعل ما ذكره الشريف المرتضى بهذا الصدد أجمع و أوفى من الجميع، فقد ذكر في تأويل الآية وجوها أربعة. كلّ منها يبطل الشبه الداخلة على المبطلين فيها، ممن عدلوا بتأويلها عن وجهه، و صرفوه عن بابه- على حد تعبيره- و اليك:- أولها: أنّ الهلاك قد يكون حسنا و قد يكون قبيحا، فإذا كان مستحقا أو على سبيل الامتحان كان حسنا. و انما يكون قبيحا إذا كان ظلما، فتعلّق الارادة به لا يقتضي تعلقها به على الوجه القبيح، و لا ظاهر للآية يقتضي ذلك.
و إذا علمنا بالأدلّة تنزه القديم تعالى عن القبائح، علمنا ان الارادة لم تتعلق إلّا بالاهلاك الحسن. و قوله تعالى: أَمَرْنا مُتْرَفِيها المأمور به محذوف، و ليس يجب أن يكون المأمور به هو الفسق. و ان وقع بعده الفسق، و يجري هذا مجرى قول القائل: أمرته فعصى، و دعوته فأبى. و المراد: أنني أمرته بالطاعة، و دعوته إلى الاجابة و القبول.
قال: و يمكن أن يقال على هذا الوجه: ليس موضع الشبهة ما تكلّمتم عليه، و انما موضعها أن يقال: أيّ معنى لتقدّم الارادة؟ فان كانت متعلقة باهلاك مستحق بغير الفسق المذكور في الآية، فلا معنى لقوله تعالى: إذا أردنا أمرنا، لأنّ