التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٠ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
لا يقدمون إلّا على المعصية، لم نكتف في تحقيق ذلك الاهلاك بمجرّد ذلك العلم. بل أمرنا مترفيها ففسقوا، فاذا ظهر منهم ذلك الفسق، فحينئذ نوقع عليهم العذاب الموعود به.
الثاني: أن نقول: و إذا أردنا أن نهلك قرية بسبب ظهور المعاصي من أهلها، لم نعاجلهم بالعذاب في أول ظهور المعاصي منهم، بل أمرنا مترفيها بالرجوع عن تلك المعاصي. و إنّما خصّ المترفين بذلك الأمر، لأنّ المترف هو المتنعم. و من كثرت نعم اللّه عليه، كان قيامه بالشكر أوجب، فاذا أمرهم بالتوبة و الرجوع مرة بعد اخرى، مع أنّه تعالى لا يقطع عنهم تلك النعم، بل يزيدها حالا بعد حال فحينئذ يظهر عنادهم و تمردهم و ابتعادهم عن الرجوع من الباطل إلى الحق، فحينئذ يصبّ اللّه البلاء عليهم صبا.
ثمّ قال القفال: و هذان التأويلان راجعان إلى: أنّ اللّه تعالى أخبر عباده أنّه لا يعاجل بالعقوبة امّة ظالمة حتى يعذر اليهم غاية الاعذار، الذي يقع منه اليأس من ايمانهم، كما قال في قوم نوح: وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً[١]. و قال: أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ[٢]. و قال في غيرهم: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ[٣].
فأخبر تعالى أوّلا أنّه لا يظهر العذاب إلّا بعد بعثة الرسول[٤]. ثمّ أخبر ثانيا في هذه الآية أنّه إذا بعث الرسول أيضا فكذبوا لم يعاجلهم بالعذاب، بل يتابع عليهم النصائح و المواعظ، فان بقوا مصرّين على الذنوب، فهناك ينزل عليهم عذاب الاستئصال.
قال الامام الرازي: و هذا التأويل الذي ذكره القفال في تطبيق الآية على قول المعتزلة، لم يتيسّر لأحد من شيوخ المعتزلة مثله[٥].
[١] نوح: ٢٧.
[٢] هود: ٣٦.
[٣] الاعراف: ١٠١.
[٤] في قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا قبل الآية المبحوث عنها.
[٥] التفسير الكبير: ج ٢٠ ص ١٧٦.