التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٩ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
فكان صرف الأمر إلى المجاز هو الوجه.
و أمّا الوجه الذي اختاره هو فهو ما أشار إليه أخيرا من صرف الأمر إلى المجاز، قال- في قوله تعالى «و إذا أردنا ...»-: و إذا دنا وقت اهلاك قوم و لم يبق من زمان امهالهم الا قليل، أمرناهم «ففسقوا» أي أمرناهم بالفسق ففعلوا، و الأمر مجاز، لأنّ حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افسقوا، و هذا لا يكون، فبقي أن يكون مجازا. و وجه المجاز أنّه صبّ عليهم النعمة صبا، فجعلوها ذريعة إلى المعاصي و اتّباع الشهوات فكأنهم مأمورون بذلك، لتسبب ايلاء النعمة فيه و انما خوّلهم إياها ليشكروا أو يعملوا فيها الخير، و يتمكّنوا من الاحسان و البرّ، كما خلقهم أصحّاء أقوياء و أقدرهم على الخير و الشر، و طلب منهم إيثار الطاعة على المعصية فآثروا الفسوق. فلما فسقوا حقّ عليهم القول، و هو كلمة العذاب فدمّرهم[١].
و أحسن من تكلّم في الآية على وجه يوافق مذهب الاعتزال: القفال، فانه ذكر في تأويلها وجهين:
الأوّل: أنّه تعالى أخبر أنّه لا يعذّب أحدا بما يعلمه منه ما لم يعمل، أي لا يجعل علمه حجّة على من علم أنّه ان أمره عصاه، بل يأمره، فاذا ظهر عصيانه للناس فحينئذ يعاقبه. فقوله: وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها معناه:
و إذا أردنا امضاء ما سبق من القضاء باهلاك قوم، أمرنا المتنعمين المتعززين- الظانّين أنّ أموالهم و أولادهم و أنصارهم ترد عنهم بأسنا- بالايمان بي و العمل بشرائع ديني، على ما بلغهم عني رسولي، ففسقوا. فحينئذ يحقّ عليهم القضاء السابق باهلاكهم، لظهور معاصيهم.
و الحاصل: أنّ المعنى: و إذا أردنا أن نهلك قرية بسبب علمنا بأنهم
[١] راجع: الكشاف: ج ٢ ص ٦٥٤.