التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٨ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
تدميرا» يقول: فخربناها عند ذلك تخريبا و أهلكنا من كان فيها من أهلها اهلاكا ...[١].
و لم يرتض الزمخشري هذا الوجه باطلاق، و قال في ذلك كلاما دقيقا ننقله بنصه:- قال: فان قلت: هلّا زعمت أن معناه: أمرناهم بالطاعة ففسقوا؟ قلت:
لا، لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز، فكيف يحذف ما الدليل قائم على نقيضه! و ذلك أن المأمور به انما حذف لأنّ «فسقوا» يدل عليه، و هو كلام مستفيض، يقال: أمرته فقام، و أمرته فقرأ، و لا يفهم منه إلّا أنّ المأمور به قيام أو قراءة. و لو ذهبت تقدّره غيره فقد رمت من مخاطبك علم الغيب.
و لا يلزم على هذا قولهم: أمرته فعصاني أو فلم يمتثل أمري، لأنّ ذلك مناف للأمر مناقض له و لا يكون ما يناقض الأمر مأمورا به، فكان محالا ان يقصد أصلا، حتى يجعل دالّا على المأمور به، فكان المأمور به في هذا الكلام غير مدلول عليه و لا منوى، لأنّ من يتكلّم بهذا الكلام فانّه لا ينوي لأمره مأمورا به، و كأنّه يقول: كان مني أمر فلم تكن منه طاعة[٢].
كما أنّ من يقول: فلان يعطي و يمنع، و يأمر و ينهى! غير قاصد إلى مفعول.
فان قلت: هلّا كان ثبوت العلم بأنّ اللّه لا يأمر بالفحشاء، و إنما يأمر بالقصد و الخير دليلا على أنّ المراد: أمرناهم بالخير ففسقوا؟ قلت: لا يصحّ ذلك، لأنّ قوله: «ففسقوا» يدافعه، فكأنك أظهرت شيئا و أنت تدّعي اضمار خلافه،
[١] جامع البيان للطبري: ج ١٥ ص ٤٣.
[٢] هذا هو بالذات مقصود من يقدر في الكلام« الطاعة» أي امرته بشيء يستدعي طاعة، لكنه خالف و عصى. و لا يقصد« أمرته بنفس الطاعة». إذ الأمر بالطاعة يكون بلفظ« أطع» مسبوقا بأمر آخر تعلق بشيء آخر. فالمأمور به في الآية لا مقدر و لا منوى، و انما المقصود مجرد توجه أمر اليهم بما يستدعي وجوب امتثالهم و القيام بما القى اليهم من وظائف و تكاليف، لكنهم لم يمتثلوها و قاموا في مخالفتها و معاكستها. كما في« دعوته فأبى» و« أمرته فعصى».