التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٧ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
فقوله: «أمرنا مترفيها ففسقوا فيها» يعني: كان من علامة ذلك انه كلما أمرناهم بشيء خالفوا أمرنا و استعصوا عن الامتثال، و أخذوا في معاكسة معالم الهدى و الصلاح[١].
فاذا ما رأيتم قوما سيطرت عليهم الميوعة و الاستهتار بمقدسات الشريعة، و تفشي بينهم الفساد و الفحشاء، فاعلموا أن البلايا قد وافتهم، و اقترب منهم الهلاك و الدمار.
و هذا كما قيل: إذا أرادت السماء أن تمطر تغيّمت. أي إذا دنا وقت الامطار، كان من علامة ذلك أن تتغيم السماء بالسحاب.
هذا ما فهمناه من ظاهر تعبير الآية بعد تعمق، و بلا تكليف في التخريج، الأمر الذي لا يكاد يخفى على من دقّق النظر في جوانب الآية بامعان.
و هذا اختيار أكثر المفسرين السلف و الخلف حيث أخذوا من الأمر متعلقا بالطاعة دون الفسق، نظير قولهم: أمرته فخالف. و دعوته فأبى. قال أبو جعفر الطبري- بعد أن ذكر عدة روايات في تأويل الآية، و صوب قراءة «أمرنا» بالقصر و التخفيف، لاجماع الحجة من القراءات على تصويبها:- فاولى التأويلات به هو تأويل من تأوله أمرنا أهلها بالطاعة فعصوا و فسقوا فيها فحق عليهم القول. لأن الأغلب من معنى «أمرنا» الأمر الذي هو خلاف النهي دون غيره. و توجيه معاني كلامه- جلّ ثناؤه- إلى الأشهر الأعرف من معانيه أولى، ما وجد إليه سبيل، من غيره. و معنى قوله «ففسقوا فيها»:
فخالفوا أمر الله فيها و خرجوا عن طاعته. «فحق عليها القول» يقول:
«فوجب عليها بمعصيتهم اللّه و فسوقهم فيها، وعيد اللّه الذي أوعد من كفر به و خالف رسله، من الهلاك بعد الاعذار و الانذار بالرسل و الحجج». «فدمرناها
[١] نظرا لان الفسق هو الخروج عن الاطار المضروب حدا للشيء.