التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧٦ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها، وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى[١]. و من المحال أن يقع بين آيات القرآن تناقض. فثبت أنّ الآيات التي تلوناها محكمة، و كذا هذه الآية، فيجب حملها على تلك الآيات. حملا للمتشابه على المحكم[٢].
و ثانيا- للآية تأويل صحيح، و في نفس الوقت منسجم مع ظاهر التعبير تمام الانسجام:
و ذلك أنّ الارادة في الآية ليست بمعنى أنّه تعالى قد يريد بقوم سوءا لا موجب له، فيعمد- لتبريره- إلى التماس حجج و معاذير هو يتكلفها و يمهد أسبابها»[٣]! كلا، بل الارادة- هنا- تعبير عن واقعية محضة عملت في تكوين ذاتها عند توفر شروط التحقق و العوامل المستدعية للتكوين. كقوله تعالى: فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ[٤]. حيث لا إرادة و لا قصد و انما هو اقتضاء واقع الأمر.
و هكذا في الآية الكريمة كانت الارادة بمعنى اقتضاء واقعهم السيئ للهلاك و الدمار.
و عليه فمعنى الآية: انّه متى ما حان وقت هلاك قوم، فأراد اللّه ان ينزل بهم العقاب حسب اقتضاء واقعهم المتفسخ المنهار، كان من علامة ذلك ان يقوم كبراؤهم المنعمون و زعماؤهم المتبعون، بطغيان عارم و استهتار بالمعاصي و الفجور، فعند ذلك تحق عليهم كلمة العذاب.
[١] الاسراء: ١٥.
[٢] التفسير الكبير: ج ٢٠ ص ١٧٥- ١٧٦.
[٣] قال الفخر الرازي- و هو أشعري-: احتج أصحابنا بهذه الآية على مذهبهم من وجوه، الأوّل: ان ظاهر الآية يدل على انه تعالى اراد ايصال الضرر اليهم ابتداء، ثم توسل الى اهلاكهم بهذا الطريق. الثاني: ان ظاهر الآية يدل على انه تعالى انما خص المترفين بذلك الأمر، لعلمه بأنهم يفسقون. و ذلك يدل على انه تعالى اراد منهم الفسق. الثالث: انه تعالى قال« فحق عليها القول» بالتعذيب و الكفر، و متى حق عليها القول بذلك امتنع صدور الايمان منهم، لان ذلك يستلزم انقلاب خبر اللّه الصدق كذبا، و ذلك محال، و المفضي الى المحال محال.
[٤] الكهف: ٧٧.