التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥ - لما ذا في القرآن متشابه؟
و على هذا السبيل، لما نزلت الآية: وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا، بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ[١] لا نظن أنّ العرب فهمت منها الجوارح و الأعضاء، نظير قوله تعالى: وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ[٢] لا يعني الجارحة المخصوصة كما زعمته المشبهة من أصحاب الحشو، و إنّما عنى يد القدرة و نفي العجز عن التصرف فيما يشاء تعالى. أمّا الأشعري و من حذا حذوه فانّهم قد انحرفوا في فهم هذا المعنى الظاهر، فأوّلوه إلى الجارحة، و قالوا إنّ للّه يدا و رجلا و عينا و وجها و ما إلى ذلك، وقوفا مع ظاهر الكلمة في القرآن[٣].
و الشواهد على هذا التحريف بظواهر القرآن كثيرة، سنعرض نماذج منها في فصل قادم. و نذكر مدى تأثير تلكم المذاهب المبتدعة في تشويه ظاهر القرآن الكريم، من جرّاء تطاول أياديهم الأثيمة نحو هذا الكتاب الآلهي المقدس، لغرض تلويثه! و لكن معاذ اللّه وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ[٤].
و سيأتي هذا الجانب من البحث بتوضيح أكثر إن شاء اللّه.
[١] المائدة: ٦٤.
[٢] الاسراء: ٢٩.
[٣] راجع: الابانة: ص ٣٩ فما بعد، و غيرها من كتب القوم و هي كثيرة.
[٤] التوبة: ٣٢.