التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٩ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
قال: و إلى هذه الحقيقة يشير قوله: وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ[١] فهو تعالى- لكونه مالكا لكلّ شيء، و من جملتها الانسان، ملكا حقيقيا، لا مالك حقيقة سواه- كان أقرب إليه حتى من نفسه و من قوى نفسه التي يملكها الانسان، لأنه تعالى هو الذي ملكه اياها، فهو الحائل المتوسط بينه و بينها، إذا شاء ملكه اياها و إذا شاء منعه منها. و لذلك عقبها بقوله: «و أنه إليه تحشرون» حيث الملك الحق للّه وحده لا شريك له انما يتجلى ذلك اليوم، و عنده يبطل كلّ ملك ظاهر و تنقشع كلّ سلطنة صورية، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ[٢] يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً، وَ الْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ[٣].
قال: فكأنّه تعالى يقول: و اعلموا أنّ اللّه هو المالك حقيقة لقلوبكم، و انّه اقرب اليكم من كلّ شيء، و ستحشرون إليه فتبدوا لكم حقيقة ملكه و سلطانه الشامل فلا يغني عنكم منه شيء. و بذلك لا يدع مجالا لأي اعتذار عن رفض الدعوة، و عدم الاستجابة للّه و لرسوله إذا دعاهم لما يحييهم. لانه تعالى أقرب إليه من قلبه المعترف في صميمه باللّه وحده لا شريك له. فان كان يشك في شيء فانّه في واقع فطرته لا يشك في اللّه الواحد الذي هو ربّ كلّ شيء. و لن يضل في معرفة هذه الحقيقة و تمييز كلمة الحق.
فإذا ما دعاه داعي الحق إلى قبول كلمة الحق فلا عذر له في ترك الاستجابة، ما دام قلبه معترفا بها، من غير أن يختلط عليه حقيقة الأمر أو يرتاب في صميم الواقع كلّا انها اجابة إلى داعية الفطرة، المنطوي عليها الضمير. و ان كل ما يختلج قلبه من وساوس و شكوك فاللّه سبحانه هو المتوسط بينها و بين وجدانه الأصيل، الأمر الذي لا يجعل للانسان سبيلا إلى الجهل به تعالى أو الشك في توحده.
و عليه فليس لأي انسان- تجاه دعوة الحق- أن يضمر في قلبه ما يخالف
[١] الأنفال: ٢٤.
[٢] غافر: ١٦.
[٣] الانفطار: ١٩.