التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٦ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ[١] تطابقا مع آية الانفال تماما! قال تعالى: وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ[٢] فإنّ نسيان النفس كناية عن الابتعاد عن شرف الانسانية، هبوطا إلى مهاوي البهيميّة و الابتذال. وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ[٣].
و الذي أرشدنا إلى هذا الاختيار هي دلائل و قرائن من نفس الآية:- أولا: التعبير بالحياة عن الدعوة، فيقابلها الموت في رفضها. و ما هو إلّا موت القلب بسلب إدراكاته الانسانية العليا التي فيها الحياة الحقيقية الكريمة. قال تعالى: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ[٤].
فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَ لا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ[٥]. إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، وَ الْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ[٦]. هذه الأخيرة تتفق في نظمها مع آية الانفال شيئا ما.
ثانيا: القلب عضو شريف في الهيكل الانساني البديع. و من ثمّ يعبر به عن واقع الانسان الكريم تارة، و عن حيويته النابضة بالفعالية و الوجود اخرى. و عن منشأ إدراكاته النبيلة الشاعرة بالمسئولية ثالثة، و هكذا.
و من ثمّ فان المخالف لفطرته قد جعل من قلبه في غشاء أو في غلاف. أو مريضا و منحرفا عن وضعه الاصيل أو مختوما بطابع يحجز دون بلوغ الهدى إلى مساربه، و هكذا يجعل القرآن القلب هو المركز الأول لقبول الهداية و التكليف، و يجعل من رفضها كأنّه لا قلب له، قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ[٧]. أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها[٨]. وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ[٩].
[١] الانعام: ١١٠.
[٢] الحشر: ١٩.
[٣] الاعراف: ١٧٦.
[٤] النمل: ٨٠.
[٥] الروم: ٥٢.
[٦] الانعام: ٣٦.
[٧] ق: ٣٧.
[٨] محمد: ٢٤.
[٩] البقرة: ٢٢٥.