التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٤ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
يختار. فلا يغترّ أحد بزعم استقلاله في متصرفاته يزاولها حسبما يريد. بل دون تحقق الأهداف و البلوغ الى مآرب الحياة، إرادة ربّ العالمين القاهرة، لا يقع شيء و لا يتحقق أمر إلّا بإذنه تعالى وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ[١]. حسبما تقدم في مسألة «الأمر بين الأمرين»[٢].
فان كانت العصاة قد رفضوا الاستسلام لشريعة السماء رغبة في مباهج هذه الحياة و زخارفها الخلّابة، و كانوا يرون من قبول الحق خسارة لذائذ سفلى و مصالح وقتية زائلة، فان العيش لا يأمن معه الهناء، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. فلا ينبغي لأيّ انسان أن يأمن صروف الزمان و تقلبات الاحوال، و هي تترى على هذه الحياة المتنغصة بالأهوال و الاكدار. الأمر الذي جعل من نفوس غير مؤمنة و غير معتمدة إلى ركن وثيق في توتر نفسي و قلق دائم. الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[٣].
و هذا المعنى يمثله قول الامام أمير المؤمنين (عليه السلام): «عرفت اللّه بفسخ العزائم و حل العقود، و نقض الهمم»[٤].
و رجّح كثير تفسير الآية بهذا المعنى. قال الزمخشري: و قيل: معناه انّ اللّه قد يملك على العبد قلبه فيفسخ عزائمه، و يغير نياته و مقاصده، و يبدل بخوفه أمنا و بأمنه خوفا. و بالذكر نسيانا و بالنسيان ذكرا، و ما أشبه مما هو جائز على اللّه.
لكن التعبير بالقلب عن مشتهيات النفس تأباه فصاحة القرآن. القلب عضو شريف في الهيكل الانساني، و قد جاء تعبيرا عن منبعث الإدراكات الانسانية النبيلة إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ[٥]. و من ثمّ فان المعرض عن ذكر اللّه قد ختم على قلبه، فلا يكاد يفقه شيئا.
[١] البقرة: ١٠٢.
[٢] صفحة: ١٧٤ فما بعد.
[٣] الرعد: ٢٨.
[٤] شرح النهج لابن أبي الحديد: ج ١٩ ص ٨٤.
[٥] ق: ٣٧.