التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤١ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
مذهب الجبر الأشعري.
و نحن سنبحث عن مسألة «السعادة و الشقاء» في فصل قادم. و عمدة ما استند إليه الفخر استدلالا في هذا المجال، هو نظرية: «لا اختيارية الارادة» حسبما تقدم منهم[١]: أن الارادة و ان كانت هي الملاك لاختيارية الافعال الصادرة عن اختيار العباد، غير أن الارادة بذاتها ليست باختيارية، و الا لزم سبق إرادة اخرى فتتسلسل! و قد أجبنا عن ذلك بأن اختيارية الارادة كملوحة الملح ذاتية، و أمّا غيرها فلا بدّ أن تنتهي إليها، فراجع.
هذا جل محاولة الأشاعرة، و في مقدمتهم متفلسفوهم و لا سيما امام المشككين في التحريف بهذا الآية الكريمة. أمّا غيرهم ممن تخلّوا عن تساويل الأشعري بالذات، أو كانوا في اتجاه معاكس معهم في الرأي و الاختيار، فلهم في تفسير الآية أنظار دقيقة، و ربما آراء ثمينة، نذكر منها الأهم:- ١- ان من سنة اللّه الحيلولة بين المرء و قلبه، الذي هو مركز الوجدان و الإدراك، ذي السلطان على إرادته و عمله. و هذا أخوف ما يخاف منه المتقي على نفسه، إذا غفل عنها و فرّط في جنب ربه. كما أنّه أرجى ما يرجوه المسرف عليها إذا لم ييأس من روح اللّه فيها.
فهذه الجملة اعجب جمل القرآن. و لعلها أبلغها تعبيرا، و أجمعها لحقائق علم النفس البشرية، و علم الصفات الربانية، و علم التربية الدينية، التي تعرف دقائقها بما تثمره من الخوف و الرجاء.
فبينا زيد يسير على سبيل الهدى، و يتقي طرق الضلالة الموصلة إلى مهاوي الردى، إذا بقلبه قد تقلب بعصوف هوى جديد، يميل به عن الصراط المستقيم، من شبهة تزعزع الاعتقاد، أو شهوة يغلب بها الغيّ على الرشاد، فيطيع هواه
[١] في صفحة: ١٨٢- ١٨٣.