التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٦ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
أي بما أنّهم تركوا شريعة اللّه المستقيمة، و نبذوا منهاجه القويم، أخذت دواعي الاختلاف و التكالب على حطام الدنيا، تدبّ في أعراقهم و ترسب جذوره في أعماقهم، حيث مختلف النزعات و الاهواء، فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ[١]. و وجه النسبة إليه تعالى هو الوجه في الآية المتقدمة.
٤٠- وَ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ، لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ[٢].
هؤلاء هم الذين عاندوا الحق و أخذوا في اتجاه معاكس للانسانية، و من ثمّ ابتعدوا عن معالم الهدى و عن المنهج المستقيم فتحملوا خزي الحياة و استحقوا سوء العذاب.
بدليل صدر الآية: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ ....
و الفتنة هي العقاب الصارم يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ[٣]. أو الامتحان بالتكليف إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ[٤].
فمعنى الآية: انّ من يرد اللّه أن يعاقبه لمعاندته للحق و لسوء أعماله الهدامة، فلن تملك له من اللّه شيئا. انّهم ممن استحقوا الخذلان و سوء العذاب.
٤١- وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً، وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ[٥].
المشيئة في الآية تكوينية، و من ثمّ لم يشأها، لمنافاتها لحكمة التكليف و الاختبار يدل على ذلك نفس التعليل الوارد في الآية وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ أي لم يشأ الإلجاء على الإيمان لغرض الاختبار. و لذلك عقبها بالأمر- و هي إرادة
[١] يونس: ٣٢.
[٢] المائدة: ٤١.
[٣] الذاريات: ١٣.
[٤] الاعراف: ١٥٥.
[٥] المائدة: ٤٨.