التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢ - لما ذا في القرآن متشابه؟
معنى محسوس.
و نظير ذلك قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ[١] دعا جهل العامّة بصفاته تعالى إلى فهم ساق له سبحانه، في حين أن استعارة الساق للشدة عند العرب كان أمرا دارجا، قال شاعرهم: «و قامت الحرب على ساق»[٢] أي أخذت في شدّتها، فهم عند ما يستمعون إلى هذا الشعر لا يترددون في فهم الحقيقة، إذ يعلمون أن لا رجل للحرب و لا ساق. أمّا في الآية الكريمة فيذهب و همهم إلى وجود رجل له تعالى و ساق، و من ثمّ ذهب بعضهم إلى عقيدة التجسيم، تعالى اللّه عن ذلك.
و قد ذهب سيدنا الطباطبائي- دام ظلّه- أيضا إلى هذا الرأي، و ذكر: ان سبب وقوع التشابه في القرآن يعود إلى خضوع القرآن- في إلقاء معارفه العالية- لألفاظ و أساليب دارجة، هي لم تكن موضوعة لسوى معاني محسوسة أو قريبة منها، و من ثمّ لم تكن تفي بتمام المقصود، فوقع التشابه فيها و خفي وجه المطلوب، نعم، إلّا على اولئك الذين نفذت بصيرتهم و كانوا على مستوى رفيع. قال تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها، فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً- إلى قوله- كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً، وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ، كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ[٣]. و هكذا القرآن تحتمله الأفهام على قدر استعداداتها، و فيه من المتشابهات ما تزول بتعميق النظر و إجادة التفكير، فيبقى القرآن كله محكما مع الأبد بسلام[٤].
و هكذا قال الشيخ محمد عبده: «انّ الأنبياء بعثوا إلى جميع أصناف الناس من دان و شريف، و عالم و جاهل، و ذكي و بليد. و كان من المعاني ما لا يمكن
[١] القلم: ٤٢.
[٢] البرهان للزركشي: ج ٢، ص ٨٤.
[٣] الرعد: ١٧.
[٤] تفسير الميزان: ج ٣، ص ٥٨- ٦٢ بتلخيص و اختزال.