التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٦ - عرض آيات الهداية و الضلال(التي وقعت موضع تشابه)
انحرفت عن جادة العقل و أخذت في معاكسة الفطرة، فانّها مريضة، تشبيها لغير المحسوس بالمحسوس.
و السبب في هذا المرض الروحي هو التفريط في عدم تموين الروح بما يلائمها من غذاء سليم في هدى العقل الرشيد. و كلما استبد صاحبه في هذا الانعطاف غير الطبيعي، ازداد اعوجاجا عن الجادة الوسطى المستقيمة، و اقترابا إلى ملتويات الطريق، و أخيرا إلى سقوط هائل في مهاوي الضلال السحيق.
فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ[١].
و لا شكّ أنّ الأخذ في زيادة الانحراف كان باصرارهم على العناد و اللجاج، و تمكن إبليس من قلوبهم و استحواذه على مشاعرهم فهم لا يفقهون، غير أنّ نسبة ذلك إلى اللّه كانت بمناسبة أنّه- عزّ و جلّ- أقدرهم على ذلك لحكمة التكليف و الاختبار لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ[٢].
و من ثمّ قد نرى نسبة ما يفعله الشيطان إلى اللّه تعالى، لنفس السبب. قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ[٣]، مع أنّه قال تعالى:
وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ[٤]. و قال: فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ[٥].
و قال: وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ[٦]. إلى غيرها من آيات.
٦- اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ[٧]. فذكر أنّ الطغيان من فعله تعالى فيهم، مضافا إلى إسناد الاستهزاء إلى نفسه تعالى، دليلا على أنّه يخلق فيهم هذه الأفعال! و الجواب: أنّ المد في الطغيان عبارة اخرى عن الخذلان الذي استوجبوه لانفسهم مغبة لجاجهم في الجموح. بدليل ما بعده من قوله:
[١] الصف: ٥.
[٢] النساء: ١٦٥.
[٣] النمل: ٤.
[٤] العنكبوت: ٣٨، و النمل: ٢٤.
[٥] النحل: ٦٣.
[٦] الانفال: ٤٨.
[٧] البقرة: ١٥.