التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٨ - إضلال أم خذلان؟
و عليه فمعنى اضلاله تعالى لمن يشاء، هو خذلان عبده المتمرد الطاغي، يتركه يعمه في ظلمات غيّه، جزاء متناسبا مع عناده و اصراره على الجهالة و الطغيان. كسائر على مزالق هاوية سحيقة، لا يعرف درب النجاة و غمته ظلمات السماء و الأرض، فيناديه الدليل العارف: ناولني من يدك لأهديك سواء السبيل، و اتبعني أهدك صراطا سويا، لكنه لسوء اختياره يترفع بنفسه- علوا و استكبارا- أن ينخرط مع سائر المهتدين أو يسير مع ركب المؤمنين وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَ لكِنْ لا يَعْلَمُونَ[١]. إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَ لا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُونِ. قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَ اتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ[٢]. فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ[٣].
هكذا أطاحوا بحظّهم و ألقوا بأيديهم إلى التهلكة فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ[٤]، قال تعالى: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها، وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ[٥].
هذا هو اضلاله تعالى بمعنى خذلانه الطغاة و تركهم في ظلمات الغيّ يعمهون معاكسة طبيعية و حتمية مع اتجاههم ذاك العاتي وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ[٦]. يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ، وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ[٧]. و هو تفسير قوله: يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ بدليل قوله: قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ[٨]. فالذين يريد اللّه اضلالهم
[١] البقرة: ١٣.
[٢] الشعراء: ١٠٦- ١١١.
[٣] القمر: ٢٤.
[٤] الصف: ٥.
[٥] الاعراف: ١٤٦.
[٦] غافر: ٣١.
[٧] إبراهيم: ٢٧.
[٨] الرعد: ٢٧.