التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٦ - مسألة الهداية و التوفيق
وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا[١].
و بذلك فسر- دام ظلّه- طلب الهداية في قوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ[٢]. حيث المسلم بعد ما اعترف بأنّ اللّه قد منّ عليه بهدايته العامّة التشريعية، يطلب من اللّه أن يمنحه هدايته الخاصة التي يختص بها من يشاء من عباده[٣].
و الهداية في كلّ مرتبة من مراتبها الخمس المتقدمة هي ذات درجات أعلى فأعلى، يتدرجها عباد اللّه النابهون درجة بعد درجة و مرحلة بعد اخرى إلى غير نهاية حيث لا نهاية و لا غاية لرحمته تعالى الواسعة، فكلما بلغ العبد منزلة رفيعة من رحمته تعالى تكون وراءها مراتب أرفع و أعلى و أقرب إلى فيض قدسه تعالى، و لا يزال مثل نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يرتفع درجات إلى قرب رضوانه تعالى، كلما صلّت عليه امته عبر الدهور، صلى اللّه عليه أكمل صلاة و أرفع تحيات، و على آله الميامين الأطهار.
و من ذلك يتضح لنا السبب في ترغيب و تكليف طلب الاهتداء عبر الساعات و الأيام، حيث تتواصل رحمة اللّه الواسعة، الشاملة لعباده المؤمنين عبر الدقائق و الآنات.
و إذا لاحظنا من درجات النور المتصاعدة إلى الأقوى، و اعتبرنا كلّ درجة لاحقة هي أشد تنوّرا من سابقتها، كانت الدرجة السابقة فاقدة لهذا المقدار الأشد و كانت هذه بنفس النسبة مظلمة بالاضافة إلى الدرجة اللاحقة ذات التنوير الأقوى- و هكذا درجات الهداية التي هي نور في حقيقتها- فحيثما يتدرج العبد على مدارج الهداية صعودا إلى الأكمل، فانّما هو ينتقل من درجة هي
[١] العنكبوت: ٦٩.
[٢] الفاتحة: ٦.
[٣] راجع: البيان- عند تفسير سورة الفاتحة-: ص ٥٢٧- ٥٢٩.