التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٣ - مسألة الهداية و التوفيق
وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا[١]. وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَ آتاهُمْ تَقْواهُمْ[٢].
وَ يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً[٣]. إلى غيرهن من آيات جاءت الهداية فيهن بمعنى العناية الخاصة و اللطف الخاص، يختص بها المؤمنون حقا، المتنورون بنور العقل، السائرون على هدى الرسل بسلام. قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ، وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ[٤].
و امّا المعاكسون لهدى الفطرة فلم يجيبوا دعوة الانبياء، فقد حرموا على انفسهم سعادة هذا الاهتداء الرحماني فعموا و صموا، إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ[٥]. إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ[٦]. كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَ شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَ جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[٧].
و الهداية- بهذا المعنى الرابع- هي التي يمنحها اللّه من يشاء، و يمنعها عمن يشاء. لا يمنحها إلّا لاولئك الذين جاهدوا في اللّه و حاولوا البلوغ إلى كمال الاهتداء سيرا حثيثا من مرحلة «علم اليقين» إلى مرحلة «عين اليقين». و من جدّ وجد. وَ مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَ سَعى لَها سَعْيَها وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً[٨].
و هكذا لا يمنعها إلّا عن اولئك الذين أعرضوا عن ذكره و سعوا في آياته معاجزين.
[١] العنكبوت: ٦٩.
[٢] محمد: ١٧.
[٣] مريم: ٧٦.
[٤] المائدة: ١٥- ١٦.
[٥] النحل: ١٠٤.
[٦] الزمر: ٣.
[٧] آل عمران: ٨٦.
[٨] الاسراء: ١٩.