التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠١ - مسألة الهداية و التوفيق
هذا الكون. كلّ يسعى إلى كماله في الوجود، و استجلاب المنافع و دفع المضار، دار تنازع في البقاء. كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ[١]. و هو النظام الكوني السائد على المخلوق كله، سنة اللّه التي جرت في الخلق، فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا[٢].
الثانية: ركّب تعالى في هذا الانسان قدرة تفكيرية جبارة (العقل) بها يستطيع التغلب على قوى الأرض و السماء و تسخيرها في سبيل منافعه، كما استخدم ما أمكنه من حيوان و نبات و جماد، و سائر ما في الوجود من قوى و طاقات، في سبيل تحضّره و الصعود على مدارج الترقي و الكمال المدني، و لا يزال.
و بهذه المقدرة العقلية يستطيع تمييز الخير عن الشر و الحق عن الباطل، كما ميز بين المنافع و المضار و الصلاح و الفساد، نعم إذا لم يغلبه هواه و لم يستسلم لقيادة النفس الأمارة بالسوء! قال تعالى: أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ[٣]. و من ثمّ جاء في روايات أهل البيت (عليهم السلام) أنّ العقل رسول باطني، و إنّما جاء الأنبياء إلى البشرية ليثيروا لهم دفائن العقول[٤]، و هو حجة اللّه و دليله المتركب في صميم الانسان و لولاه لم ينفع هدى رسول و لا ارشاد نبي.
روى ثقة الاسلام الكليني عن هشام بن الحكم، قال له الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام): «يا هشام، انّ اللّه تبارك و تعالى أكمل للناس الحجج بالعقول، و نصر النبيين بالبيان، و دلّهم على ربوبيته بالأدلّة- إلى أن قال-:
يا هشام، إنّ للّه على الناس حجتين، حجة ظاهرة و حجة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل و الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) و أمّا الباطنة فالعقول»[٥].
الثالثة: نصب الدلائل و بعث الرسل و انزال الكتب و الشرائع، هداية
[١] الانبياء: ٣٣.
[٢] فاطر: ٤٣.
[٣] البلد: ٨- ١٠.
[٤] نهج البلاغة: خطبة ١.
[٥] الكافي الشريف- الاصول-: ج ١ ص ١٣- ١٦.