التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٨ - مسألة الأمر بين الأمرين
أمّا وجه انتسابها إلى العباد، فلأنّهم هم أوجدوا شرائط وجودها باختيارهم و قصدهم الخاص، و لو لا ذلك لما وجدت. فإنّ الزارع إنّما عمد إلى الحرث و الزرع بمحاولته الخاصة للحصول على الثمرة. فقد تصور الفائدة أوّلا و اشتاقتها نفسه، فعمد- باختياره و إرادته الخاصة- إلى ترتيب المقدمات المنتجة لما كان يتوخاه.
و هذا دليل اختياره العمل.
و من ثمّ تقع تبعات كلّ عمل اختياري على عاتق العامل، و يكون هو المسئول عنها مدحا أو ذما، مثوبة أو عقوبة. حتى في مثل الايلاد، لو لا أنّه واقع امرأته لما حصل الولد، و يكون حصول الولد منتسبا إليه بالذات.
فلو فرضنا أنّ عملا خارجيا يوصف بالقبح أو الحسن، فإنّ المسئول عن ذلك هو العامل، و لا يمكنه الاعتذار بأنّ أكثر القوى العاملة في تكوينه كانت خارجة عن اختياره، حيث كانت تلك القوى بانفسها معدات و مقتضيات، أمّا الذي وافق بينها و أوجد شرط تفاعلها مع البعض، فهو هذا العامل الذي عمد باختياره إلى ايجاد شرط الوجود.
و أمّا وجه انتسابها إلى اللّه تعالى، فمن جهة أنّ القوى العاملة في تكوين الأشياء، كلّها مخلوقة و مقدرة بقدرة اللّه، و هو الذي أكسبها تلك الخاصيات بحيث إذا تقاربت مع بعضها تفاعلت في الايجاد و التكوين و هو تعالى لا يزال يمدّها بتلك الخاصيات وفق ما منحها أوّلا، فهو تعالى كما أفاض عليها حدوثا، هو يمدها بالافاضة بقاء، فلا تزال تلك القوى تستمد- في تأثيراتها المتواصلة طول وجودها- من فيوضه تعالى المتواصلة، سنة اللّه التي جرت في الخلق.
و هذا هو الذي يعبر عنه ب «إذن اللّه» في لسان الشريعة المقدسة. فلولا أنّه تعالى يمد القوى في تأثيراتها آنا فآنا، لما أمكنها التأثير شيئا أصلا.
و ليس معنى ايداعه تعالى الخاصية في شيء: أنّه أودعها فيه و تركها تعمل بذاتها و تؤثر بنفسها فيما بعد إن هذا إلّا التفويض الذي يتحاشاه مذهب أهل الحق. بل كما أودعها اللّه حدوثا، فهو تعالى لا يزال يمدها بتلك الخاصية و التأثير