التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٧ - مسألة الأمر بين الأمرين
تعالى، أولى من نسبتها إلى ذلك الانسان الذي لم يكن حظه منها سوى تقارب و تألف بين عدة عوامل قليلة لتتفاعل هي بنفسها مع البعض، و تستمد من قوى اخرى كثيرة أودعها اللّه في هذا الكون.
قال تعالى: أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ، أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ. و قال:
أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ. و قال:
أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ. نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَ مَتاعاً لِلْمُقْوِينَ[١].
و أوضح مثال لذلك هي ظاهرة الولادة، لم يكن حظ الوالد و الوالدة من تكوين الولد، سوى تلقيح النطفة، و ليس تحققه- أيضا- واقعا تحت اختيارهما الكامل و قدرتهما، و مع ذلك فإنّ الولد في وجوده منسوب إلى والديه، في حين أنّ جميع العوامل التي أثرت في اللقاح و الانعقاد و قضاء المراحل الجنينية إلى مرحلة التولد، كانت طبيعة مودعة في ذات الرحم و النطفة بقدرة اللّه، و بإرادته في أصل التأثير و البقاء على التأثير. قال تعالى: أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ، أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ[٢].
و الخلاصة: انّ ما يوجد و يتحقق في عالم الوجود، انّما يوجد بفضل تفاعل القوى المودعة في هذا الكون، و انّ حظ الانسان من ذلك هو مجرد تقارب ما بين هذه القوى لتتفاعل هي مع بعضها. و بعبارة أوجز: أنّ الانسان إنّما يوجد شرط التفاعل أمّا أصل الايجاد فهو من فعل العوامل و القوى الطبيعية، و هي بدورها مجعولة و منتظمة بإرادة اللّه و حوله و قوته أبديا.
ختيارية إلى فاعليها، في حين صحة انتسابها إلى اللّه و إلى القوى الطبيعية التي أودعها اللّه في هذا الكون.
[١] الواقعة: ٦٣- ٧٣.
[٢] الواقعة: ٥٨- ٥٩.