التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٥ - الاستواء
و عرش فيه كلّ شيء. ثمّ أضاف تعالى الحمل إلى غيره- في قوله: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ- خلق من خلقه، لأنّه تعالى استعبد خلقا بحمل عرشه، و هم حملة علمه. و خلقا يسبحون حول عرشه، و هم يعملون بعلمه ...»[١].
أراد عليه السلام تدبيره تعالى الشامل، المنبعث عن علم و قدرة، و من ثم قال: هم حملة علمه. و هم يعملون بعلمه، أي ينفذون تدبيراته في شئون هذا العالم. كما أن قوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ[٢] يعني: أنّ تدبيره تعالى قبل خلق السماوات و الأرض لم يكن قد تعلق بشيء سوى الماء. إذ لم يكن في عالم الطبيعة يومذاك موجود و لا معلوم سوى الماء، لأنّ أوّل شيء خلقه اللّه من الماديات هو الماء كما في الأثر[٣].
قال أبو جعفر الطبري: «و أمّا الذي يدلّ على صحّته ظاهر القرآن فقول ابن عباس الذي رواه جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير عنه أنّه قال: هو علمه و ذلك لدلالة قوله تعالى وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما على أنّ ذلك كذلك، فأخبر أنّه لا يؤده حفظ ما علم و أحاط به مما في السماوات و الأرض. و كما أخبر عن ملائكته أنهم قالوا في دعائهم رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً[٤] فأخبر أنّ علمه وسع كلّ شيء، فكذلك قوله وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ[٥].
الاستواء:
و الاستواء هو التمكن و الاستيلاء التامّ، دون الجلوس كما زعمت المجسمة، كقول الأخطل يمدح بشرا أخا عبد الملك بن مروان حين ولي على امرة العراقين:
[١] الكافي الشريف- الاصول-: ج ١ ص ١٣١.
[٢] هود: ٧.
[٣] راجع: بحار الانوار: ج ١ ص ١٠٢ و ج ٥٧ ص ٣٠٨.
[٤] غافر: ٧.
[٥] جامع البيان: ج ٣ ص ٨ ط الاميرية.