التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٣ - العرش و الكرسي
عليه، كما يقال دهري- بالضم- نسبة إلى الدهر. و من ثمّ اطلق على العلماء «الكراسي» لأنّهم عماد الامة و مرجعها فيما ينوب. و قد أنشد قطرب:
|
تحف بها بيض الوجوه و عصبة |
كراسي بالأحداث حين تنوب |
|
أراد بهم علماء خبراء بحوادث الامور و نوازلها. و قد قيل: خير الحيوان الأناسي، و خير الأناسي الكراسي، أي العلماء العقلاء العارفون بشئون التدبير[١].
قال تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما[٢] أي وسع ملكه أرجاء عالم الوجود من غير أن يعجز عن ادارة شئونه بما يدوم مزدهرا مع الأبدية. فهذا التعبير (لا يؤده) يدلّنا بوضوح على إرادة الملك من «وسع كرسيه» بالذات، و من عبر عن الكرسي بالعلم- كابن عباس و مجاهد و غيرهما- أراد نفس المعنى، إذ ملكه تعالى منبعث عن علمه المحيط المعبر عنه بالعرش أيضا، حيث التدبير الحكيم يستدعي الاحاطة و العلم بمزايا الامور.
قال تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ[٣]. و قال: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ، أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ[٤].
انظر إلى الآية الاولى كيف رتبت التدبير على قوله: «استوى على العرش» ليكون المعنى: استوى على عرش التدبير، و توضحه الآية التالية «ألا له الخلق و الأمر» فالخلق هو ما عبر أولا من خلق السماوات و الأرض، و الأمر هو اقامة شئونهن و حفظهن عن الفساد و الاختلال.
و هكذا جاء التعبير في سورة الرعد: ٢ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ... يُدَبِّرُ الْأَمْرَ.
[١] راجع: معجم مقاييس اللغة، و اساس البلاغة.
[٢] البقرة: ٢٥٥.
[٣] يونس: ٣.
[٤] الاعراف: ٥٤.