التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٠ - الجهة و المكان
و قال الإمام أبو إبراهيم موسى بن جعفر (عليهما السلام) و قد ذكر عنده أنّ قوما يزعمون أنّ اللّه تبارك و تعالى ينزل إلى السماء الدنيا!-: «إنّ اللّه لا ينزل، و لا يحتاج إلى أن ينزل.
إنّما منظره (أي علمه المحيط) في القرب و البعد سواء، لم يبعد منه قريب، و لم يقرب منه بعيد، و لم يحتج إلى شيء، بل يحتاج إليه كلّ شيء، و هو ذو الطول لا إله إلّا هو العزيز الحكيم. أمّا قول الواصفين: انّه ينزل (تبارك و تعالى) فإنّما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص و زيادة. و كلّ متحرك محتاج الى من يحرّكه أو يتحرّك به، فمن ظنّ باللّه الظنون هلك، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حد تحدونه بنقص أو زيادة، أو تحريك أو تحرّك، أو زوال أو استنزال، أو نهوض أو قعود، فان اللّه جلّ و عزّ عن صفة الواصفين، و نعت الناعتين، و توهم المتوهمين»[١].
هكذا جاء تنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقين، في كلام الأئمة و محققي العلماء، و حتى من متأخري الأشاعرة ممّن أوّل كلام أوائلهم، ما عدا أصحاب الحشو منهم فجروا على سلفيتهم القديمة حتى هذا العهد، و لنتعرض لتفنيد ما زعمته المشبهة أدلّة على ثبوت الجهة له تعالى.
قال تعالى: وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ، فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ[٢]. هذه الآية من المحكمات، دلّت على أنّه تعالى ليس بجسم. و لا هو محدود بجهة دون اخرى، وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً[٣].
قال الإمام الرازي- في الآية الاولى-: «الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم و اثبات التنزيه، لأنّه تعالى خالق الجهات، و الخالق متقدم على المخلوق لا محالة، فقد كان الباري تعالى خلق العالم منزها عن الجهات و الاحياز، فوجب أن يبقى بعد خلق العالم كذلك. و أيضا، فانّه لو كان جسما و له وجه
[١] المصدر ١٢٥ رقم: ١.
[٢] البقرة: ١١٥.
[٣] النساء: ١٢٦.