التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١١ - الجهة و المكان
لكونه «حيا قيوما» و قوله: وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ[١] كناية عن عظم احاطته تعالى. و أمثال ذلك كثير في القرآن. و هكذا قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ[٢]، لكونه «لطيفا». كما أنّ قوله: وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ جاء معللا بكونه «خبيرا».
و هذا من اللطائف الدقيقة التي تضمنتها الآيات الكريمة، لا تنالها أفهام القشريين من أهل الحشو.
و هذا الشيخ عدي بن مسافر الاموي (ت ٥٥٧) أحسن تقديسا لمقام الالوهية من هؤلاء المقلدة السلفيين، قال: «و انه تعالى ليس بجوهر و لا عرض و لا جسم، و انه ليس في جهة من الجهات، و ليس مستقرا على مكان و أنّه مرئي بالقلوب و الأبصار- بكسر الهمز- و لا تحويه الأقطار و الأبصار- بالفتح- و لا تحيط به الجهات، و أنّه واحد فرد صمد، لا ثاني معه و لا شيء مثله».
قال: «فهذا هو العلم بذاته، مستو على عرشه بالمعنى الذي أراده تعالى، استواء منزها عن المماسة و الاستقرار و التمكن و الحلول و المقدار، لا يحمله العرش، بل العرش و حملة العرش و اللوح و الكرسي و السماوات و الأرض و ما بينهما و ما فيهما و ما تحتهما و ما وراءهما و جميع المخلوقين و المخلوقات، محمولون بقدرة اللّه تعالى و مقهورون في قبضته ...»[٣].
الجهة و المكان:
ذهب الأشعري و أذنابه من مشبهة و مجسمة الى أنّه تعالى كائن في جهة «فوق» مستويا على عرشه فوق أطباق الثرى. و أنّه ينزل و يصعد و يتحرك من مكان إلى مكان، فيحويه مكان و يخلو منه مكان. و تشبثوا بآيات و روايات
[١] البقرة: ٢٥٥.
[٢] الأنعام: ١٠٣.
[٣] في رسالته« اعتقاد أهل السنة و الجماعة» ط بغداد سنة ١٣٩٥ ه ص ١٥.