التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٩ - الرؤية
إذن فالذي يرى هو الجسم. و العلة هي الجسمية، المفقودة في ذاته المقدسة.
و أمّا قياس الأشعري الرؤية بالعلم فهو قياس مع الفارق و لا جامع بينهما.
مضافا إلى أنّ الاستدلال بالوجود و العلم على جواز الرؤية باطل في نفسه، بعد أن نجد في بداهة العقل اشياء لها وجود، كالعلم و العقل و الإرادة و الكراهة و الحبّ و البغض[١]، هي موجودة و معلومة و لكن لا تصحّ رؤيتها لأنّها ليست أجساما، و ما ليس جسما لا يمكن تحقق التقابل بينه و بين نظر الرائي، و هو شرط في تحقق الرؤية.
١٠- و أمّا تقييد عموم النفي في قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ[٢] بالرؤية في الدنيا، أو برؤية الكافرين، فهو تأويل قبيح بعد أن كانت الآية إشارة بشأن من شئون الربّ تعالى و مدحا لائقا بمقام قدسه جل ثناؤه. قال تعالى: بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ، وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ. لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ، وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ. قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها، وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ[٣].
انظر إلى هذا الاطراء الجميل بمقام الألوهية الكريمة، نوّهت عن صفات و نعوت جليلة كانت صبغتها العموم المطلق، لا الاختصاص بهذه الحياة القصيرة المدى أو باناس دون اناس، الذي يتنافى و كونها صفات جلال و اكرام. هذا، فضلا عن تذييل الآية بشبه تعليل للنعوت المذكورة: «و هو اللطيف الخبير». إذ اللطيف مقابل الكثيف، لا يمكن مسه و لا النظر إليه، و الخبير هو المحيط
[١] راجع: شرح الاصول الخمسة للقاضي: ص ٢٧٤.
[٢] الانعام: ١٠٣.
[٣] الانعام: ١٠١- ١٠٤.